علوم غيَّبتها الحواضر واستحضرها غرب المحافل العلمية وشرقها

بقلم : د. نضير الخزرجي*

 

اتسم علماء العصور الغابرة بأنهم يغترفون من كل علم غرفة، ولهم في كل حقل يد، وأقدامهم تحط على عتبة هذا العلم وذاك، ويشتهرون في حياتهم أو بعدها بعلم أو مجموعة علوم، وإن كانت الصفة العامة لمجموع العلماء وبخاصة في العالم الإسلام هو التفقه، فيقال فقيه مفسر، وفقيه روائي، وفقيه فيلسوف، وفقيه متكلم، وفقيه عرفاني، وفقيه رحّالة، وفقيه رياضي، وفقيه فلكي، وهكذا مع سائر العلوم، فالصفة العامة أنهم فقهاء لكن لكل واحد منحى اشتهر به وأبدع فيه.

ومن معالم الدراسة في السابق أن علوم الحساب والرياضيات والجبر كانت جزء من مناهج التتلمذ، وإلى يومنا هذا فإنها في المدارس الرسمية وفي الكتاتيب تعد جزءً من الدراسة، وقد أثبتت التجربة أن دروس الرياضيات تنعش ذاكرة المتعلم وتغذيه وتفتح آفاقه وتهديه إلى سبل علوم أخرى مماثلة، ومن ذلك علم المنطق التي تقوم مقام الرياضيات في تنشيط الذاكرة وتقويتها، بل ربما كانت الرياضيات مدخلا الى تلقي العلوم الاخرى وهضمها وفهما وعلى وجه السرعة.

ومع اتساق رقعة العلوم وتشعبها وامتدادها انتهى الأمر الى التخصص في العلوم، وتوزعت المدارس والمعاهد والكليات على العلوم المختلفة، العقلية والنقلية، النظرية والتجريبية، الأحيائية والتطبيقية، وهكذا، فكان علم الفقه وأصوله، علم الفيزياء، آداب اللغة، علم الجغرافيا، علم الإقتصاد، علم الطب، علم الرياضيات، علم الكيمياء، علم الإجتماع، علم النفس، علوم الهندسة، وعلم الحاسوب، وهكذا تمدد بساط العلوم وتنوعت فساطيطها.

ولكن ما يشاهد في مجمل هذه العلوم أن الرياضيات جزء لا يتجزأ منها، والكثير من العلوم الحديثة قائمة على الرياضيات وتفريعاتها، وفي الدراسة الأكاديمية يعتبر صاحب الدرجة العليا في الرياضيات الأقرب إلى الظفر بدراسة عالية وما يعقبها بعد ذلك من شهادة عالية تفتح له مغاليق الحياة.

بين يدي كتاب “الأوزان والمقاييس” للفقيه المحقق الشيخ محمد صادق الكرباسي الصادر حديثا (2019م) في بيروت عن بيت العلم للنابهين في 271 صفحة من القطع الوزيري مع مقدمة لعالم الرياضيات السعودي، المولود بالنجف الأشرف بالعراق سنة 1952م الدكتور عدنان الشخص، إذ يعكس الكتاب الصورة التي كان عليها العلماء في الحواضر العلمية مثل الأندلس والقيروان والزيتونة والأزهر والإسكندرية ودمشق وبغداد والنجف وكربلاء والحلة وإصفهان وشيراز ومشهد، وغيرها، حيث كانوا وإلى وقت قريب يجمعون في دراساتهم وأبحاثهم بين علوم مختلفة وبعضها تصنف ضمن العلوم الغريبة.

بدايات أولية ولكن

تمثل الأوزان والمقاييس الجانب الأظهر في علوم الحساب منذ اطلاع الإنسان الأول على علم الرياضيات والاستفادة منها في حياته اليومية، من بيع وشراء للمنقول وغير المنقول، ومن حركة وتنقل في البر والبحر، وخضعت الأوزان والمقاييس كغيرها من العلوم إلى التطور مع مرور الزمن، وليست هناك علوم تأتي من خارج نظاق الكرة الأرضية ونواميسها ونظامها، فكل العلوم موجودة وقائمة ولكن العلماء بحاجة إلى اكتشافها ومعرفة قوانينها، فالحياة قبل خمسة آلاف سنة على سبيل المثال ليست هي قبل أربعة آلاف سنة، وليست هي قبل ثلاثة آلاف سنة أو قبل ألفي سنة أو ألف سنة، بل والعلوم من سرعتها تختلف بين قرن وآخر وعقد وآخر وسنة وأخرى، بل شهر وآخر، فما تعرضه الشركات من تقنيات إنما هو جيل قديم وإن تم إدخاله عالم السوق لأول مرة، لأن هذه الشركة أو تلك تمتلك من هذا التقنية ما هو أكثر تطورا ولكنها تعرضه بعد فترة من الزمن وفي حوزتها ما هو أكثر حداثة وجدة من المعروض.

في السابق كان العلماء في مجال الأوزان والمقاييس يعرفون الكتلة أو الوزن، والحجم أو السعة، والطول، والمساحة، ثم تطور العلم وأدخلوا الزمن، ولم تعد الأوزان والمقاييس مقتصرة على ما تعارف عليه الناس في القديم، حيث دخلت فيها الحرارة والرطوبة والضوء والطاقة الكهربائية والطاقة المائية والطاقة الذرية والطاقة النووية، وتطورت منظومة الأوزان والمقايس، وصار لكل حقل من حقول الحياة وزنه ومقياسه، وإن بقيت المقاييس القديمة تستعمل حتى يومنا هذا وبتعبير الباحث السعودي الدكتور عدنان الشخص في تقديمه للكتاب: (كان البابليون القدماء منذ آلاف السنين يمارسون كتابة الأعداد ولاسيما في الأعمال التجارية، وكانت الأعداد والعمليات الحسابية تدوَّن فوق ألواح الصلصال مستخدمين الكتابة المسمارية، كانوا يعرفون العمليات الحسابية الأربع الجمع والضرب والطرح والقسمة، وكانوا يتَّبعون النظام الستيني الذي تتكون فيه الوحدة الواحدة من 60 جزءًا، وما زال النظام الستيني مُتَّبعا حتى الآن في قياس الزوايا في حساب المثلثات وقياس الزمن: الساعة= 60 دقيقة، والدقيقة= 60 ثانية).

جديد القديم

 وبالطبع ومع مرور الزمن وتطور وسائل التقنية واتساع مساحة المعارف تم تقسيم الدقيقة والثانية إلى جزئيات أصغر وأصغر، فضلا عن استحداث أوزان ومقاييس وأحجام تتبع كل حقل من حقول المعرفة، فصار للذرة وزنها، وللضغط الجوي مقياسه، وللذكاء درجاته، وللإختبارات الدراسية والإمتحانات الفصلية والعامة درجاتها، وللبصر درجاته، ولحلبات المصارعة والملاكمة أوزانها، فضلا عن العلامات والرموز التي هي صورة أخرى من الأوزان والمقاييس.

وإذا كانت هناك مقاييس وأوزان مشتركة بين بني البشر مثل جدول الضرب وتقسيم الساعة والدقيقة والثانية، وتقسيم أيام اليوم بالساعات، والشهر بالأيام، والسنة بالأشهر، فإن بعضها تختلف بين أمة وأخرى فالسنة هي اثنا عشر شهرا، ولكن أيامها تختلف، فالسنة الهجرية غير القمرية، والسنة الصينية غير الفارسية، وأيام الشهر ليست كلها ثلاثين يوما، وهكذا وبتعبير المؤلف في التمهيد: (ولشدة الحاجة إلى هذه  المقاييس نرى أن كل أمّة وضعت لنفسها مقاييس تعتمد عليها في حياته اليومية، ومن الصعب جدًا معرفة كل هذه المقاييس، إلا إننا نحاول وضع اليد قدر المستطاع على كل المقاييس التي لها دور في حياتنا سواء القديمة منها أو الحديثة) على أن المقاييس وإن اختلفت لكنها تشترك مع اخرى، ولذلك حسبما يرى المؤلف وما هو واقع حال: (إن هذه المقاييس منها ما لا لها علاقة بالأخرى، وذلك لأنَّ أصل التقسيم فيها يعود إلى سبعة تكتلات وهي: الوزن، السطح بما فيه، الإرتفاع، إشراق الضوء، الزمن، المقدار، التيار الكهربائي، والحرارة) ويضرب بالضوء والضغط مثلا إذ: (ترتبط مقايس الضوء بالوزن والزمن والقياس والسطح، ومثله الضغط يرتبط بالمقياس الحجمي والوزن والزمن وغيرها).

لقد غاص المحقق الكرباسي في باب المقاييس والاوزان ووضع الكثير من الجداول التوضيحية إلى جانب العشرات من العناوين توزعت على سبعة أبواب هي: المقاييس، الأوزان، المكاييل، الدرجات، التواقيت، الوحدات، والأرقام.

فالمقياس: وحدة متفق عليها لتقدير كميات من نوعها، مثل وحدة قياس الطول والسطح والحجم.

والوزن: وحدة وضعت لمعرفة زنة الشيء ومقدار ثقله، مثل وحدة وزن الأثقال الجامدة والأثقال الثمينة والأثقال السائلة.

والمكيال: وحدة قياس الأحجام، ومنها الليتر.

والدرجة: وحدة مقياس وضبط، مثل ضبط درجة الحرارة والبرودة والرطوبة والضغط الجوي والبحري والأرضي، وأمثال ذلك.

والتوقيت: وحدة ضبط الزمان، من قبيل ضبط السنة والشهر واليوم والساعة والدقيقة.

والوحدة النقدية: وحدة ضبط النقد وما يتداوله الإنسان في تعاملاته، من ذهب وفضة وعملة نقدية وورقية واعتبارية.

والرقم: وحدة لها قيمة مثل الحرف عند التفاهم، وتتمثل في الأرقام والأعداد ومضاعفاتها وفي معادلات الحروف بالأرقام وفي الرموز.

تفاصيل وجزئيات

لا يخفى أن الحديث عن الأرقام يختلف بشكل ملحوظ عن الحروف والكلمات، فكل متعلم له أن يقرأ العبارة ويفهما كلها أو بعضها أو مضمونها، ولكنه من الصعب فهم الأرقام والمعادلات إن لم يكن بها خبيرا، فالرياضي له أن يفهم النص إلى جانب معرفته بالأرقام، على أن الأديب وإن أعجزته الأرقام هو في حقله خبير حاله حال الرياضي، ولا يمكن للرياضي أن يصل مرحلة الأديب، وهكذا فكل في مضمار علمه فارس وأمير.

وللوقوف على مجمل ما تضمنه كتاب الأوزان والمقاييس، يكفينا في ذلك المرور على أهم العناوين التي تفرعت منها الأبواب السبعة.

الباب الأول: المقاييس: مقياس الطول في النظامين الفرنسي والبريطاني، مقياس السطح في النظامين الفرنسي والبريطاني، ومقياس الحجم (المكعب) في النظام الفرنسي والبريطاني والقديم.

الباب الثاني: الأوزان: الفرنسي والإنكليزي والقديم والوزن الذري.

الباب الثالث: المكاييل: في النظام الفرنسي والإنكليزي والأنظمة الأخرى.

الباب الرابع: الدرجات: مقياس الطقس، والضغط، والطاقة، والإختبار، والدائرة، والنظر، والطول والوزن البشري، والبروج ومسير الكواكب.

الباب الخامس: التوقيت الزمني: مجمل التوقيت الزمني، والسنة والتاريخ، والتواريخ المعروفة، وأيام السنة في التقاويم، والأخيرة تضم: السنوات التالية: الهجرية، والميلادية، والخورشيدية (الشمسية)، والبرجية، والرومانية، والنومية، واليوليانية الوثنية، والمصرية والقبطية، والعبرية، والإسكندرية، والثورة الفرنسية، والهندية، والآذرية، والسنة الضوئية.

الباب السادس: وحدة النقود: من قبيل: الدينار الشرعي، والدينار النقدي، والدرهم والدولار والجنيه والروبل والفرنك والين والليرة والريال، واليورو.

الباب السابع: الأرقام: في الأرقام والأعداد ومضاعفاتها، وفي معادلات الحروف بالأرقام، والرموز.

في الواقع يمثل هذه الكتاب الضلع الثالث لمثلث الأوزان الثلاثة: الصرفية والمقاييس والشعرية، كان المؤلف قد وضع خطوطها العريضة وهو في العقد الثاني من عمره أثناء الدراسة في كربلاء المقدسة، وأصبح ما وضعه قبل نصف قرن كما يؤكد في الإستهلال: (مرجعا لي في كتاباتي المتأخرة عنها، وأساسا للعديد من أجزاء الموسوعة المسماة بدائرة المعارف الحسينية، وها أنا في العقد السابع من عمري أعتمد على ماكتبه في العقد الثاني آملا أن يكون ما حررته في هذا الإتجاه وغيره مفيدًا للطالب ومرجعا للكاتب) وقد انتهى من هذا الكتاب في غرة شهر محرم 1433هـ (27/11/2011م) وصدر عام 2019م، وهو جهد معرفي جمع بين القديم والحديث، وللعلوم صلة، فما كان في القديم توقيفيا جاء الزمان ليكسر حلقاتها بأوزان ومقاييس جديدة وجدنا أكثرها في هذا الكتاب، وبالقطع سيأتي الزمان ويستحدث أوزانا ومقاييس جديدة لم يصل إليها عقل الإنسان.

*الرأي الآخر للدراسات- لندن     

 

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى