دور الطابور الخامس في ترويج الشائعات والحرب النفسية لارباك الحراك الجزائري

تستخدم الحرب النفسية في السلم وفي الحرب على حد سواء، ولهذه الحرب تاريخ طويل؛ وقد كان أول من استخدم هذا المصطلح المحلل العسكري البريطاني «ج. ف. س. فوللر» في عام 1920، ولم ينتشر استعمال هذا المصطلح في الولايات المتحدة الأمريكية إلا في عام 1940.

وتستخدم الحرب النفسية في المعارك الانتخابية بكل العالم، وقد شهدت الولايات المتحدة الأمريكية في الانتخابات التي فاز فيها دونالد ترامب من أجل بث الهزيمة مسبقًا في نفوس أنصار هيلاري كلينتون بتشويه سمعتها، والتهويل الزائف من شعبية ترامب عن طريق فيسبوك وتويتر، كما استعملت في ليبيا للإطاحة بالحكومة الليبية ومعمر القذافي، عن طريق العاجل والأنباء غير المؤكدة بهروبه وطلبه اللجوء في بلدان أخرى، من أجل هروب رجاله واستسلام الجيش الليبي.

واليوم يشهد الحراك الجزائري حربًا نفسية مماثلة، إذ بث أكثر من موقع أنباء عن هروب عائلة الرئيس بوتفليقة وبعض كبار المسؤولين للبلاد بمجرد خروج المتظاهرين إلى الساحات العامة، ثم خرج العديد من المقاطع الصوتية مجهولة المصدر التي تحاول توريط الجيش الجزائري في الصراع ببث أخبار على صفحات التواصل الاجتماعي، بأن قوات الصاعقة ستلبس زي الشرطة وتطلق الرصاص على نفسها، ومن ثم على المتظاهرين، لإعطاء الذريعة اللازمة لتفريق المتظاهرين بالقوة.

ليأتي أحد المقاطع المصورة قديمًا على أساس أن رجال الجيش والشرطة يحرسون مقبرة العالية، التي عادة ما تدفن فيها الشخصيات الرسمية للدولة، موحيًا بأن الرئيس قد توفي، وأنهم يستعدون لدفنه وسط إجراءات أمنية مشددة، وهو خبر تناقلته قنوات إخبارية دولية، ليظهر مقطع مصور مباشرة من المقبرة يكشف خلوها من أي حركة غير طبيعية، ويظهر الناس يمشون وسطها بشكل طبيعي.

وزادت كمية الإشاعات بشكل مهول، لتخرج إحداها بالقول إن الجزائر تمنح البترول والغاز مجانًا لفرنسا وإسبانيا، مما تسبب بغليان كبير دعا من خلاله الكثيرون إلى الامتناع عن تسديد فواتير الغاز والكهرباء، مما من شأنه أن يوجه ضربة غير خفيفة للاقتصاد إذا عم هذا السلوك وانتشر إلى قطاعات حيوية أخرى، وبما أن المجتمعات المغلقة تميل طبيعيًّا نحو تصديق الإشاعة؛ فقد انتشرت الإشاعة سريعًا، وزادت اقالة وزير الخارجية نائب الوزير الأول رمطان لعمامرة من تغذية الإشاعات، التي صبت في معظمها في أن زيارته لروسيا من أجل تقديم عرض خيالي لروسيا من البترول، مقابل الحماية في مجلس الأمن بعد فتك النظام بالمتظاهرين قتلًا وتعذيبًا، مما أربك الحراك وأصبح يطالب برأس الوزير وكل النظام، وخرج شعار ترحلوا جميعًا، وصنف عمل الوزير في خانة الخيانة العظمى، واللافت حقًّا هو تفشي إشاعة موت الرئيس في منصات التواصل الاجتماعي، والتغذية الإعلامية لأخبار تفيد وضع رجال الدولة ممتلكاتهم للبيع، وتهريب عائلاتهم بالجملة، وأن أكثر من 100 مسؤول قد سحبت منهم جوازات السفر، فيما يذكرنا بما حدث مع رئيس تونس السابق بن علي.

وفي سياق مشابه أكدت قنوات خاصة جزائرية أن المجلس الدستوري قد اجتمع لتفعيل المادة 102 القاضية بشغور منصب الرئيس، وينتظر من الرئيس وأخيه الرد، دون تفاصيل عن كيف ومتى اجتمع المجلس، وماذا ينتظر من الرئيس، واليوم خرج خبر نقلًا عن وكالة الأنباء رويترز، يقول إن الشرطة قد أطلقت الرصاص المطاطي على المحتجين، وأردفته بآخر مفاده أن الشرطة صرحت بأن المظاهرة اليوم مليونية، وتطالب بتنحي بوتفليقة، مما يوحي بأن الخبر موجه للخارج، ومن أجل لفت نظر المجتمع الدولي للأزمة الجزائرية.

هذه الحرب النفسية التي تمارس بشكل ممنهج منذ بدء التظاهر في الجزائر، تنبع من أطراف عدة ،قد تلتقي مصالحها ثم تتوازى خادمة لأهداف مردها إما بث الذعر في المناصرين للرئيس ومحيطه والإيحاء بسقوطه الفعلي أو الوشيك، وهو أمر يقوى ويخفت حسب الحاجة، ويستخدم في أحيان أخرى من أجل تهييج الرأي العام المهتاج والمشحون أساسًا منذ سنوات، بعد سماعه عن سريان الفساد وصفقات الملايين، والضبابية التي لفت الرئيس ووضعه الصحي، وأن الحاكم الفعلي هم أخوه المستشار ومعاونوه من رجال الأعمال.

هذا التهييج من شأنه أن يطبع المظاهرات السلمية بطابع العنف لتلقى المسؤولية على الشرطة والجيش، وخلق عداوة واضحة معه، خاصة وأن المؤسسة العسكرية تلتزم بدورها الدستوري حتى اللحظة، وهذا ما لا يرضي أطرافًا سياسية طالما أرادت أخذ مباركة الجيش للوصول للحكم. والسلمية التي طبعت التظاهرات حتى الآن تحسب أيضًا للنظام الذي لم يرد إدخال البلاد في فوضى واقتتال لا يعلم مدى خطورته إلا الله.

أخيرًا الحكمة القائلة بأن الإشاعة يؤلفها الحاقد، وينشرها الأحمق، ويصدقها الغبي أصبحت تطالبنا جميعًا بإعادة النظر فيما نسمع، وألا نغتر بناقلها من الذين يظهرون على الاستديوهات محاولين خلق بطولات وهمية، بكلام العارف بخبايا الأمور، والأيام كفيلة بتوضيح الحقائق.

تناولنا في مقال سابق بعض الشائعات حول الثورة والإخوان، وذلك بعد ذكر نبذة مختصرة عن الشائعات وتعريفها ومدي خطورتها وأهمية رصدها وتحليلها والرد عليها، وأنها كانت أحد أهم وسائل الثورة المضادة وإعلامها، ويتضح لنا كذلك أن العسكر لديهم شبكة من العملاء لنشر الشائعات والأكاذيب ميدانيًا وسط الناس وهذه الشبكة تدار من جهات مؤسسية، ويقوم عليها مختصون وعماد هذه الشبكة وهيكلها قائم على أفراد الدولة العميقة ورموزها في شتي المحافظات والمدن والقرى، بالإضافة لإعلام الثورة المضادة مروج الأكاذيب والشائعات والمنشئ لها ابتداءً في معظم الأحيان.

 

ولعل حدث الاستفتاء هو أوضح الأحداث التي كشفت معظم التوجهات مبكرًا جدًا وفضحت كثيرًا من أدعياء الثورة وأيقونات الثورة المضادة.

بداية انطلقت الشائعات حول مضمون التعديلات نفسها، وأن الموافقة عليها تعني بقاء دستور 71 وبقاء الفلول ونظام مبارك، وأن لجنة التعديلات من جماعة الإخوان، وأن من يؤيدون التعديلات يتهمون من يرفضها بأنه ضد الدين ويريد إلغاء مادة الشريعة من الدستور.

والحقيقة هي أن مضمون التعديلات هي عمل دستور جديد بلجنة منتخبة من مجالس نيابية منتخبة يلي ذلك انتخابات رئاسية على ألا تزيد مدة المرحلة كلها عن ستة شهور، لجنة تعديل الدستور مكونة من ثمانية أعضاء، وتضم عضوًا واحدًا فقط من جماعة الإخوان، والباقي قضاة وأكاديميون قانونيون.

الفلول على رأسهم تهاني الجبالي اجتمعوا مع معظم الأحزاب والرموز الإعلامية والسياسية بفندق «جراند حياة» في مؤتمردعت له جريدة «المصري اليوم» وبتمويل من غرفة التجارة الامريكية للاتفاق على التصويت بلا؛ لأن الانتخابات ستأتي بالإسلاميين! قامت عشرات القنوات ببث حملة للتصويت بلا، واتهام الإسلاميين بالحشد الطائفي والديني مع أن الحشد الديني لم يتم إلا من ناحية المسيحيين فقط، وكان مداره كله على أن الانتخابات ستأتي بالإخوان.

وفي المقابل كان ترويج الإخوان للتعديلات بمضمون التعديلات نفسها، وأن الانتخابات هي الوسيلة الوحيدة لانتقال السلطة ليد الشعب، ولعمل دستور جديد نابع من الشعب لا وصاية خارجية، ولا داخلية عليه، بعد ظهور النتيجة بالتصويت بنعم بنسبة 77% تقريبًا وهي نسبة كبيرة جدًا صدمت الرافضين وكان من المفروض تكاتف الجميع لتطبيق المرحلة الانتقالية كما يحدث في كل الديمقراطيات المحترمة، إلا أن رد فعل الرافضين للتعديلات جاء صادمًا برفض النتيجة ومطالبة المجلس العسكري بالتدخل لحكم البلاد مدة سنتين أو خمس، والدستور أولًا، أي البدء بالدستور بلجنة معينة، وليست منتخبة، ثم جاءت بدعه المواد فوق الدستورية وظهرت وثيقة السلمي التي تمنح سلطات الشعب للعسكر.

كما استمرت وسائل الإعلام في الاستقطاب الطائفي وسوقت حملتها بكلمة «غزوة الصناديق»، وهي كلمة لأحد مشايخ السلفيين قيلت بعد ظهور النتيجة، وليس قبلها كما زعموا وتم الترويج للحملة وسط هالة من الأكاذيب التي لا وجود لها فاخترعوا مقولة «من يصوت بنعم يدخل الجنة، ومن يصوت بلا يدخل النار»، وهي أكذوبة لم يقلها أحد من الإسلاميين على الإطلاق، لا قبل التصويت، ولا بعده، بل العكس هو ماحدث من قبل المسيحين فقد قيل نحو ذلك إلا أنه تم التغافل عنه كما تم التغافل عن المال السياسي الذي تم به تأجير بعض المشاهير وتعليق لافتات بأسمائهم تدعو للتصويت بلا.

وفي سياق متصل كشف اجتماع طارئ لقيادة أركان الجيش الجزائري، أن “قوى غير دستورية” حاولت الالتفاف على مطالب الحراك الشعبي المناهض لاستمرار حكم الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، بواسطة الضغط على المؤسسة العسكرية.

وأشار بيان لوزارة الدفاع الوطني، إلى أنه “في الوقت الذي كان الشعب الجزائري ينتظر بفارغ الصبر الاستجابة لمطالبه المشروعة، صدر يوم الاثنين، بيان منسوب لرئيس الجمهورية، لكنه في الحقيقة صدر عن جهات غير دستورية وغير مخولة”.

وتابع البيان أن القرارات المنسوبة لبوتفليقة تحدثت عن ”اتخاذ تدابير هامة تخص المرحلة الانتقالية، وفي هذا الصدد بالذات، نؤكد أن أي قرار يتخذ خارج الإطار الدستوري مرفوض جملة وتفصيلا“.

وفي حين لم يذكر بيان الجيش سوى تعبير “بيان منسوب لرئيس الجمهورية”، تحدثت قوى سياسية متعددة أن المعني هو شقيق بوتفليقة، وتداولت وسائل الإعلام المحلية بالذكر اسم السعيد بوتفليقة.

وأعلن في وقت سابق ، عن تحرك مواطنين لتسجيل أول شكوى لدى جهاز القضاء، ضد السعيد بوتفليقة شقيق رئيس البلاد، بتهمة التخابر لصالح قوى أجنبية، والسطو على ختم الرئاسة وانتحال صفة رئيس الدولة، وإصداره قرارات باسم عبد العزيز بوتفليقة.

بدورها، أعلنت قوى “التغيير المساندة لحراك الشعب” في لقائها التشاوري السابع بمقر حزب جبهة العدالة والتنمية في العاصمة، عن رفضها كل القرارات والبيانات التي تصدر باسم الرئيس أو الرئاسة.

ووصفت صحيفة الفايننشال تايمز اللندنية، السعيد بوتفليقة، بأنه حارس بوابة الرئاسة الجزائرية، وفي الشائع السياسي هو الحاكم الحقيقي للبلاد منذ عام 2014.

وفي وقت سابق من امس الاول، وصف قائد أركان الجيش الجزائري، المحيط الرئاسي بأنه ”عصابة امتهنت الغش والتدليس والخداع“، تعمل على تنفيذ ”مؤامرات ودسائس دنيئة ضد الشعب“.

وتعهد الفريق أحمد قايد صالح بأنه “لن يسكت عما يحاك ضد الشعب الجزائري، من قبل هذه العصابة“، والوقوف إلى صف الجماهير الشعبية التي ترفع مطالب ”مشروعة” في مسيرات مليونية وسلمية.

وأشار الفريق أحمد قايد صالح إلى ما وصفها “الاجتماعات المشبوهة التي تم عقدها في الخفاء من أجل التآمر على مطالب الشعب”، وفق تعبيره.

وبدا الفريق صالح منزعجًا من قرارات صادرة عن مؤسسة الرئاسة الجزائرية، في صورة إعلان حكومة تصريف أعمال بقيادة وزير الداخلية السابق نور الدين بدوي، وقرارات أخرى كانت منتظرة بحسب بيان سابق للرئاسة.

وتداولت منابر إعلامية جزائرية، على نطاق واسع، صباح امس الاول الثلاثاء، بيانًا منسوبًا لمستشار الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة، محمد علي بوغازي، يتهم فيه الفريق أحمد قايد صالح بالتخطيط لانقلاب عسكري ضد مؤسسات الدولة، لكن المستشار بوغازي نفى صحة هذا البيان.

ومساء يوم الاثنين الماضي ، نشرت الرئاسة الجزائرية بيانا أعلنت فيه عن قرار إنهاء مهام نائب وزير الدفاع الوطني وقائد أركان الجيش الجزائري، الفريق أحمد قايد صالح، وتعويضه باللواء سعيد باي.

ويظهر أن وزارة الدفاع الوطني قاومت مساع فاشلة لإقالة الفريق أحمد قايد صالح، فأعلنت عن نفي ما جاء في هذه التسريبات، واعتبرتها “أنباءً عارية عن الصحة”، فيما تلقفت قنوات تلفزيونية مقربة من قيادة أركان الجيش هذا النفي وروَّجته على نطاق واسع.

جدير بالذكر أن رئيس أركان الجيش الجزائري أحمد قايد صالح قد دعا في الفترة الأخيرة إلى تطبيق المادة 102 من الدستور، وقد جدد دعوته في بيان صادر قبل ساعات من إعلان بوتفليقة استقالته رسميا.

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى