الدّولة و”الثّورة”.. وتحاشي الانزلاق إلى ”بيروسترويكا” سورّية تحت عنوان “الإصلاح “
بقلم : د . بهجت سليمان

■ هل نسيتم “برنامج إصلاح غورباتشوف ” الذي أطاح بالإتحاد السوفيتي؟
1▪امتلأ القرن التّاسع عشر بأفكار و نظريّات جُلّها كان من وحي مزدوج : إمّا ابتكار الأفكار التي تسهّل قيادة و إخضاع عقول الناس ، مثل أفكار القوميّة و الإشتراكّية والشيوعية ، و الرّأسماليّة و الأممّية و الإمبريالّية و التّوتاليتاريّة و الرّاديكاليّة .. الخ .. مع الإختلاف طبعا بين الأفكار النبيلة والأفكار المسمومة..
أو البحث عن مخارج التّيه التي وجدت الشّعوب نفسها فيها ، بعد أن عاصر تشكّل الدّول و القوميّات الكثيرُ من الاختلاطات الوجدانّية ، بعد زمن من انهيار العرق الجرمانيّ المقدّس و اندماج الدّماء الآرّية بالدّماء الرّومانيّة ، حيث تحوّلت ( روما ) إلى ذاكرة ماجدة للسّياسة الغربيّة ، في مواجهةٍ يهوديّة نامية بشدّة في القرن العشرين .
جاء القرن العشرون الماضي ليمارس البشر أفكارهم التي قادتها أدمغة فذّة ، في صقل القوميّات و الأمم و الشّعوب الغربيّة ، عن طريق العنف و الحروب و الانقلابات التّاريخيّة الشّهيرة ، في دول ذات سيادة يقتضي الدّفاع عنها كلّ ما أوتي الإنسان المعاصر من قوة وفظاظة و خلق و جرأة و إبداع .
2▪ كانت ” الثّورة” ، في القرنين الماضيين ، هي إحدى وسائل السّياسة الأكثر أهمّيّة لخوض غمار الانقلابات والقتل و ترويع الإنسان لتثبيت معالم الجغرافيا و التّاريخ ، أو الاعتداء عليها ، بما هي وسيلة بديهّية لصياغة وعي الشّعوب صياغات عُنفيّة و استخدامها كمطيّة من مطايا العبور من الأفكار إلى الوقائع ، أو الانتقال من المآلات الطّبيعيّة إلى صيرورات صنعيّة و افتعاليّة و انفعاليّة ، يعمل عليها قادة و زعماء و مفكّرون و منظّرون ، تحت عنوان العمل على تحقيق أهداف الشّعوب و المجتمعات بما يُحقّق لهؤلاء أهدافهم في الحرّيّات و العدالات و التّكافؤ و المساواة السّياسيّة .
ففي القرن التّاسع عشر والقرن العشرين لوحدهما قامت أعداد من الثّورات لا تُحصِى في الذّاكرة ، و لقد كان منها ماترك أثره على مسيرة “تطوّر” السّياسات و الدّول و الأفراد ، عن طريق كمّيّة ”الأيديولوجيا” التي حُقنت بها تلك الأحداث لتحفيز القائمين العمليين بها ( الشّعوب و الأفراد ) و زرع إيمانهم العميق بأهدافها المعلنة ، التي عادة ما كانت لا تتطابق مع الأهداف الحقيقيّة لتلك الملاحم ، حيث كان وراءها ، و إلى اليوم ، أصحاب أفكار سرّيين ، مُبرمجين ، فقط ، على متعة القوّة و العنف و السّطوة و السّيطرة و الجاه و المال ، و احتقار الإنسان .
ولعبت الأفكار ”الأيديولوجّية” دورها الحاسم في هذا المجال ، إذ كثيراً ما كانت تنفجر الثّورات العالميّة مستندة إلى برنامج فكريّ و سياسيّ و اقتصاديّ و اجتماعيّ ، وغالبا – في النّهاية – ما تنقلب قيادات تلك االثّورات على نفسها و على المجتمعات لتحقيق الآراء و المنافع و المواقع الخاصّة و الشّخصيّة و خدمة جميع المستفيدين بأشكال شتّى ، باستثناء الشّعوب التي قامت هي بأفعال الثّورات و دفعت أثمانها من دمائها ، لتُضافَ هذه الجموع الثّوريّة الحقّة إلى قائمة النّسيان و الاحتقار و الإهمال .
لا مانع من إعادة إظهار خطّيّةِ تاريخ القرنين الماضيين ، الرّاديكاليّ ”الثّوريّ” ، بالأحداث العريضة ، و ذلك منذ الثّورة الفرنسيّة عام ( 1789 ) ، مروراً بثورات الرّبيع القوميّ الأوروبّية عام ( 1848 ) ، ثمّ ”العامّيّة” الفرنسيّة التي عرفت بكومونة باريس عام ( 1871 ) ، و ”الثّورة” البيوريتانيّة ( الطّهريّة) في إنكلترا و أيديولوجيّتها اليهوديّة ، ثمّ تبلور النّزعة السّياسيّة “القوميّة” اليهوديّة ، و ظهور مصطلح ”معاداة السّاميّة” ، و تفاقم “قضيّة دريفوس” عام ( 1894 ) .. [ قضيّة تهمة تخابر ضابط الأركان العاّمة الفرنسيّة ، اليهودي دريفوس ، بنقل أسرار عسكريّة لألمانيا ]
حيث ولج العالم القرن العشرين ، أو ما سمّي بقرن الهزّات الثّوريّة ، بأحزاب ثوريّة كانت قياداتها متهمة ب اليهود ؛ ثم ”الحرب العالميّة الأولى” ( 1914 – 1918 ) ، و أعمال العنف المنظّم ، الهائلة ، التي وقعت أيّام ثورة ( 1905 – 1906 ) الرّوسيّة ، و الدّور “الثوريّ ”الخطر الذي لعبه “ اليهود” في الاستيلاء على المباني الحكومّية و تمزيق صور “القيصر” و “علم الدّولة الرّسميّ” ، وسط الحشود اليهوديّة المقهقهة ..في ” أوديسّا ” . [ راجع كتاب : لغز عمره ثلاثة آلاف عام لمؤلّفه عالم الرّياضيّات الرّوسيّ الشّهير المعاصر ( إيغَر شَفَريفتش ) ]
ثم دخول الغرب في أتون ” الثّورة الرّوسيّة ” ( 1917 ) ، و “الثورة” الألمانّية ( نوفمبر – 1918 ) التي ألغت الحكم الملكيّ ، و التي قام بها ”الدّيموقراطيّون الاشتراكيّون” ، بما في ذلك النّفوذ اليهوديّ في الدّيموقراطيّة االاشتراكّية الألمانّية ؛ إلى أن قامت الحرب العالميّة الثّانية ( 1939 – 1945 ) ؛ و دخول العالم في توزيع جديد إثر “الحرب العالميّة” الباردة بين المعسكرين الرّئيسيين المعروفين و ملحقاتهما من الدّول و التّجمّعات البشريّة و السّياسيّة العالميّة ..
إلى أن انتهى هذا المشهد العالميّ في نهايات القرن العشرين المنصرم بزوال الاتّحاد السّوفييتيّ ( 1991 ) بعد دخول البلاد في ما ُسمّي “البيروسترويكا” : ( إعادة الهيكلة ، أو إعادة البناء) و “ الغلاسنوست” ( العلنّية ، أو الشّفافيّة ) .
هذه صورة عامّة و مختزلة للملامح التي شكّلتْها الأفكار و الأحداث السّياسيّة ، على مسافة زمنيّة لحوالي المائتي سنة الأخيرة الأهم بالنّسبةِ إلى حديثنا الآن .
3▪ ثمّة حركة لولبيّة ” تطوّريّة” .. للتّاريخ توحي للبعض بأنّ التّاريخ يُعيد نفسه ، و لكنّ الحقيقة هي ليست كذلك بالضّبط ، بقدر ما أنّ الحركة الّلولبيّة للتّاريخ ، في ”تطوّره” ، تقضي ميكانيكيّاً ( إواليّاً ) بالعودة الحركيّة للمسار الّلولبيّ إلى منطقة دوريّة سابقة و لكنّها موازية لشبيهتها السّابقة و “أعلى” من سابقتها ، و في مكان و فضاء جديد و مختلف عن سابقه ، بحيث يبدو للنّاظر السّكونيّ من الأسفل .. و غير المتحرّك مع التّاريخ نفسه ، أنّ التّاريخ يُكرّر نفسه ، فيما هو في الحقيقة يعلو و يتقدّم على طريقته باستمرار .
في هذا الصّدد ، فإنّ الواقع يبتعد عن أنّه خاضع لرؤية كلّيّة ، و ذلك مهما كانت المحاولات صادقة و جاّدة و ماهرة ، مع أنّ اتّجاهات سيرورته الرّئيسيّة ينبغي أن تكون واضحة ، بالعموم ، و لو شابَهَا أو داخَلَها المفاجآت و التّحوّلات التي تجري و تطرأ على رسومات حركة الوقائع ، و هذا ناهيكَ عن حجم ”المصداقيّة” التي توحي بها الأحداث ، و المغازي المتعدّدة التي تدخل جميعها في “السّياسيّ” ، مع أنّ عمل “المنظومات” و “ الأنساق” السّياسيّة العامّة ، هي أكثر من كونها مجرّدَ تَقنيّات بنيويّة لأنثروبولوجيا الممارسة أو أنثروبولوجيا التّفكير ، مع تلك التي يستوحيها علماء الاجتماع من مفهوم الضّرورة التّاريخيّة التي لا تعنيهم ، في الأساس ..
هذا مع أنّ الوظيفيّة البنيويّة ، نفسها ، هي ليست أكثر من حامل للسّياسة ، و مع ذلك يتشبّث “الأنثروبولوجيّ” بحياديّته السّياسيّة ، عندما يكون للسّياسيّ شأنٌ يتجاوز واقع التّقاليد المرعيّة و الأفهام ، التي تتوجّه إلى اختزال ٍمُخِلّ ٍللسّياسة بالاجتماع .
و بكلمات أسهل ، فإنّ تخلّي القراءة الاجتماعّية و التّاريخيّة عن البعد السّياسيّ للحدث التّاريخيّ الفاعل بقوّة في المجتمعات ، من الجانب الإناسيّ ، هو سلوكٌ فكريٌّ يتجاوز عدم الاختصاص إلى العجزعن الإحاطة الإدراكّية بأبعاد الاجتماعيّ نفسه ، و قد أصبح نموذجاً لقراءة البنية و النّسق و المنظومة ، معاً .
4▪ من الغريب كيف أنّ مناضلة يهوديّة ألمانيّة عالميّة معاصرة [ وهي (حنّة آرندت ).. توفيت عام ( 1975 ) ] ؛ كانت حتّى حينه تؤمن ، و من باب شيوعيّتها ، بأنّ الحروب و الثورات ما زالت تحدّد معالم حياتنا المعاصرة ، و هي تعني – كشيوعيّة – بالتّأكيد ، عندما تتحدّث عن الثورات ، بالثّورات الماركيسيّة و الشّيوعيّة ..
مع أنّ القرن العشرين بمجمله ، كما يتأكّد يوماً بعد يوم ، بأنّه قد تجاوز مفاهيم الثّورة الرّاديكاليّة الماركسيّة – الّلينيّنية ، لسببين :
الأّؤل هو تلاشي الظّروف الاجتماعّية و الثّقافيّة التي من شأنها إحداث الانقلابات الثّوريّة اليساريّة ، بفعل طبيعة التّقريب الرّأسماليّ في التّراكم الباهظ من الشّروط الإنسانّية ، الذي سمح باختزال الفوارق اليومّية للحاجات الضّروريّة ، و حتّى بالكثير من الرّفاهيّة الغربيّة ، إذ لطالما لا يطرأ و لن يطرأ أيّ تغيير من علاقات وسائل الإنتاج ، على علاقات التّبادل القيميّ الاقتصاديّ ، ومفهوم البنية الرّأسماليّة للعمل و توزيع العائدات الاقتصادّية في علاقات توزيع .
و الثاني هو انكشاف التّاريخ ”الثوريّ” الرّاديكاليّ على أنّ معظمه صراع تقوده القوى الأبعد عن التّصور بأنّها قوى ثوريّة ، بقدر ما هي أهدافها الفوضى و الدّمار و الثّأر و الانتقام ..
بحيث أنّه من المدهش أن تصل “الكاتبة” الشّهيرة ( حنةآرندت) إلى أن تقول :” لم تعد هناك من قضيّة سوى القضيّة الأقدم ، ألا و هي قضّية الحرّيّة إزاء االاستبداد . تلك القضيّة التي تشكّل في حقيقة الأمر وجود السّياسة ذاته منذ بداية تاريخنا ” .[ حنّا آرندت – في الثّورة – ص(١٣) ] .
5▪ يبدو أنّ معظم ثورات التّاريخ قد صيغت من قبل “مقاولين” ، و أُضرمتْ بوقود البشر الطّامحين إلى التّغيير ، و ذلك مهما كان شكل التّغيير ، و هذا ما يدلّ على رعاعيّة وقود الثّورات في التّاريخ ، الذي هو الشّعب ، أو الشّعوب ، و سهولة التّحكّم به و تسييره و توجيهه باتّجاه أهداف “المقاولين” الثوريين ، الذين يُبيّتون أهدافهم الخاصّة بما لا يتّصل بأهداف الشّعوب ، و ربّما لا يمتّ إليها بصلة ، و هي أهداف تتعلّق باستثمار قوى الشّعوب من أجل أهداف مخصوصة بقلّة أو بفئة سياسيّة تنفصل نهائيّاً ، في ما بعد ، عن المجتمع لتشكّل صيغة من صيغ الدّولة .
كلّ ثورات التّاريخ تبدو للقارئ النّقديّ أنّها استثمارات سياسيّة مادّتها العمليّة هي الشّعوب المقهورة ، و التي تنتقل من قهر سابق من قبل سلطات جائرة و غير عادلة ، إلى سلطات جديدة تتشكّل من القادة الثّوريين الذين غالبا ما يأخذون دور أصحاب رأس المال بأدوات جارفة هي الشّعوب ، ليحوّلوها من جديد إلى قوى عمل تنتج رأس المال الذي سيحكمها من جديد .
6▪ في هذا الإطار تلعب الأيديولوجيا الثّوريّة دورها الخطر في تهييج الشّعوب نحو تحقيق أهداف قادة “الثّورات” ، الخاصّة ، التي لا تتجاوز الاستيلاء على السّلطة و ممارسة السّيطرة و الإخضاع ، كما كانت تفعل القوى التي أزاحتها “الثّورة” و عزلتها من مواقعها في الدّولة و هيمنتها على واقع المؤسّسات و الفاعليّات .
وحيث تتطابق ، في النّتائج ، معظم أهداف “الثّورات” في التّاريخ ، يصبح من المباح القول إنّ ”الثّورة” مفهوم مبني على حراك دوريّ وطبيعيّ يتمّ فيه تبادل و انتقال السّلطات بالعنف ، و ربّما بالاتّفاق ، بين قوى أدّت دوراً محدّداً و قبضت مقابله أجراً باهظاً و زائداً ، لتتيح لغيرها من الطّبقات السّياسيّة ، لتقوم بدورها في تحصيل الأثمان الكبيرة التي تتناسب مع التّضحيات التي قدّمتها .. بواسطة ”الآخرين” .
و على هذا التّقدير تبقى الدّولة ، و بخاصّة من تلك التي لم تستقرّ فيها علاقة الشّعب بمؤسّساته و الذي بقي قسم كبير منه ، ينظر إليها بوصفها عدوة له ، كما يجري في البلدان المتخلّفة ، و تستمرّ في قلاقل تهدّدها ، دوماً ، بالسّقوط من داخلها ، على أساس جملة من الذّرائع الكاذبة التي تطلقها شعارات الثّورات ، و المعروفة للجميع ، كتبنّي قضايا الشّعب و حاجاته و مظالمه و حقوقه الضّائعة ، و كذلك ما تلغو به أفكار الثّورات من أهدافها في تحقيق العدالة الاجتماعّية و الحرّيّات الشّخصيّة ، و في عصرنا ما تضيفه الشّعارات من أفكار ليبيراليّة و حقوق الإنسان .
لقد تطوّرت أدوات الفكر الثّوريّ المزعوم المعاصر في إطار الحملة العولميّة التي تسخر من عقول الشّعوب بتحريضها على دولها ، ليكون لتلك القوى العالميّة إمكانيّة تدجين البشر و المجتمعات بأفكارها ، التي تهدف أخيراً إلى خلق عالم متماثل السّطحيّة و التّسطيح و السّذاجة السّياسيّة ، على غرار ما صنعت الإمبريالّية العالميّة بشعوبها في الدّول المسمّاة دولاً متقدمة و، متطوّرة .
7▪ عادة يُعزى الطّغيان إلى أشخاص متسلّطين تجاوزت أحاسيسهم عتبة الإحساس البشريّ العادم للظّلم و القهر و ممارسات من هذا القبيل .
غير أنّ ما لا تُفصح عنه أكبر السّياسات و لا تقيم له وزناً ، هو أمر أنّ ما من طاغية هو فرد بذاته . بل و ربّما أنّ الظّروفَ الطّاغيةَ كمّيّاً هي ما يصنعُ الطّغيان و الطّغاة و الطّاغية ، هذا و ليس لنا أن نختصرَ الطّغيان في شخص أو أشخاص مهما علت درجاتهم في الحكومة و القرار ، ما لم نقف على الرّافعة الاجتماعّية للطّغيان .
فالطّغيان مؤسّسة منظّمة يتخصّص أفرادها بأنماط السّلوك المتكامل الذي يظهر أخيراً في هيئة الشّيطان ، الذي لا يُقيم وزناً للمشاعر الطّريّة التي يعيشها الإنسان اليوميّ في غمار مصاعب الحاجة و تحصيل أسباب عيشه في الحدّ الأدنى ..
و المريب ، أنّ مجرّد إمكانيّة عيش البعض في ظروف غير إنسانيّة ، هو مأثرة لها أسرارها التي تحتاج بذاتها إلى التّفنيد و الاكتشاف و الوقوف على الدّم المبذول لأجل الاستمرار في العيش ، الذي غالباً ما تتعلّق مسؤوليّاته بآخرين عاجزين لسبب أو لآخر من الاشتراك بأداء دور الفاعليّة الإنسانّية ، التي تتطلّبها ظروف العيش الطّبيعيّة التي يمكن ، بمعنى شبه وحيد ، أن نعتبرها من ظروف الحدّ الأدنى للاستمرار .
و لكنّ هذه الصّورة الوجوديّة لطريقة العيش ، نفسها ، تبقى مهدّدة بفعل إقحام الظّروف الشّاذّة على وقائع الحياة اليوميّة ، بفعل الهزّات الثّوريّة التي تعدم أدنى ظروف العيش ، في فوضى الصّراع ..
فإذا بالنّمط الإنسانيّ الأقلّ مناعة وجوديّة ، يُقدَّم قبل غيره على مذبح الصّراعات الثّوريّة في غمار نيرانها الموجّهة إلى الطّبيعة اليوميّة للهيكليّة البنائيّة للمجتمع ، و المتمثّلة في المؤسّسات التي تكفل ذلك الاستمرار الأدنى ، في شرطه الحّديّ النّازف بمتطلّبات الصّبر الخارق و التّحمل الحجريّ .
8▪ و في المألوف فإنّ المجتمعات المتفكّكة ، على ما تقدّم ، هي المجتمعات الأكثر تهديداً بزوالها كمنظومات اجتماعيّة و اقتصاديّة و سياسيّة ، جرّاء الأفعال المنعوتة بالثّوريّة ، و التي تتربّص بالمجتمعات نتيجة لعدم متانة استقرار هذه المجتمعات و جاهزيّتها التّلقائيّة لتحوّلها السّريع إلى مسرح للعبث العنفيّ ، الذي تولّده “ الثّورات” ، كما هو الأمر عليه في أمثلة شهيرة في التّاريخ .
9▪ وما يعنينا ، هنا ، شكلٌ اشتهر مؤخّراً كمأساة سياسيّة لمّا تنتهي فصولها التّراجيديّة على رغم الوعي الفذّ بها ، و إدراك آثارها الدّاخليّة ، الاجتماعّية و الاقتصادّية ، و آثارها الخارجيّة ، السّياسيّة و الجيو -استراتيجيّة ، ما يتفرّع عنها من مهازل عاشها الشّعب الرّوسيّ و منظومة دول الاّتحاد السّوفييتيّ السّابق ، و أقصد بها ما سمّيت ( “البيروسترويكا” : إعادة البناء و التّغيير ) و ما رافقها زعماً ممّا أطلق عليه ( “الغلاسنوست” : العلنّية و الشّفافيّة )!
و لقد صار من البديهيّ اليوم تقويم تلك التّجربة على أنّها صُمّمَتْ من أجل تدمير الاتّحاد السّوفييتيّ في مهمّة “إصلاحيّة”(!) ، تناولت الجذور السّياسيّة للدّولة السّوفييتيّة و الإجهاز على نظامها الاجتماعيّ عالي الكفاءة المعيشيّة ، كما على نظامها الاقتصاديّ الذي استطاع منافسة أكبر اقتصاديات العالم في الشّرق و الغرب ، و نهاية بنظامها السّياسيّ الدّوليّ المُهاب بمتانته و تحدّيه لعربدات الإمبريالّية الغربيّة التي تتزعّمها الولايات المتّحدة الأميركّية و بريطانيا و توابعهما الأوروبّيين ، إضافة إلى اليابان الخانعة في السّياسة العالميّة الإمبريالّية التي كانت تواجه الاتّحاد السّوفييتي ، وقد كانت كلّها عاجزة بكلّ جبروتها و قدراتها و رؤوس أموالها و عراقتها في النّظام الاقتصاديّ و السّياسيّ و ماكيناتها الإعلامّية الجبّارة ، عن النّيل من ذلك النّظام السّوفييتي العتيد .
10▪ يكثر الحديث اليوم في سورية في مصطلحات ممجوجة سياسيّاً و خطرة بمضامينها المحمولة من ذكريات السّياسة العالميّة الغاشمة في القرن العشرين ، الماضي ، بكلّ مآسيه التي تظهر نتائجها على التّوالي منذ بدء الألفّية الجديدة ، الثالثة ، على شكل استباحة إمبرياليّة منظّمة لمقدرات الشّعوب و الدّول الصّغيرة و الضّعيفة و التي يراد بها دولاً فاشلة و هامشيّة و تافهة الدّور العالميّ المعاصر في ضآلات اقتصاديّة و سياسيّة و ثقافيّة و اجتماعيّة ، في دحرها إلى عجز تاريخيّ شامل ، و بخاصّة في منطقتنا التي تجاورها ( ”إسرائيل” ) هذه الظّاهرة السّياسيّة القوميّة الدّينيّة العنصرية الفريدة في تاريخ البشر المعروف حتّى اليوم .
و يمكن لأيّ مراقب أن يتأمّل تلك “ المصطلحات” التي تنهض على محمولات سياسيّة و مخيال عالميّ جاهز ، من جهة فقدانها براءاتها بوضوح و صراحة و وقاحة عالميّة ثقافيّة و سياسيّة ، و أعني بها ذات تلك المصطلحات التي أهدرت الاتّحاد السّوفييتيّ ، مثل “إعادة البناء” و “الشّفافيّة” و التي أصبحت نغمة تشدّقيّة عند بعض السّاسة و المسؤولين و الحاكمين الفاسدين والكثير من المثقفين ، و على الملأ ، أو كما يُقال على أسنّة الرّماح !
11▪ في سورية ما زلنا نعيشُ أثر ” الثّورة !! ” الجامحة التي جعلت البلد ينتكس نكسة تاريخيّة ، يجب أن تدرس بذاتها و تدرّس للأجيال الناّشئة ، لكي لا يكونوا في المستقبل فاقدي الذّاكرة الوطنيّة المريرة التي عادت ب كثير من مناطق البلد إلى أسوأ و أفظع و أحطّ من تلك الأوضاع التي كانت مدارات أحاديث مساءات الشّتاءات الباردة في أريافنا المقهورة ، حول ما كانوا يسمّونه ”السّفر برلك” و كانوا يقصدون بها الويلات التي مارستها تركيا على شعبنا في الجبال الفقيرة المعدمة ، في نحرهم في الحرب العالميّة الأولى ، مع ما رافق ذلك من ظروف اقتصاديّة و ماليّة طاحنة و مدمّرة ، من جوع و ذلّ و قهر و حرمان ، كإحدى نتائج تلك الحرب .
12▪ و في هذا الظّرف المعاصر الذي نعيشه اليومَ نتيجة “الثّورة !! ” الدمويّة مستمرّة الآثار ، ثّمة قوى اجتماعيّة و اقتصاديّة و ثقافيّة و سياسيّة تمارس العمل على أهدافها بعلنيّة و وقاحة غير محدودتين .
و إذا شئنا متابعة هذه الفكرة بإتقان و مسؤوليّة سياسيّة تاريخيّة ، فيُمكننا الحديث عن محاولات صريحة لنخر جذور المجتمع و الدّولة ، بواسطة تطوير مناخات استهلاكّية خطرة و فاجرة ، لا يقوى عليها سوى أصحاب الثّروات المستحدثة مؤخّراً في تجارة الحرب ، التي اتّخذت لها أشكالاً ابتكاريّة مروّعة متجاهلة فيها كلّ بعد بشريّ أو إنسانيّ ، ناهيك عن النّواهي الوطنيّة التي تتبع الأخلاق الاجتماعّية و السّياسيّة ، فصنعت بذلك ثقافة سوريّة جديدة ، و نغلة ، بالمطلق ، جعلت الوطنيين المشتَهرين بالتزامهم القيميّ السّياسيّ في عداد من يفكّرون بالضرورة الملحة للخروج بالوطن ، من هذه الهوة السحيقة التي يريدون أخذه إليها .
ولا بد أن يجري ذلك لقطع الطريق على تمييع أوجاع المحترمين و وقف احتقار الدّم المهرق على ثغور الوطن ، والاستهتار بفهم و إدراك أصحاب العقول و البصيرة المستقبلّية ، برفعهم شعارات للاستهلاك و العَلك و الاجترار الَبقَريّ ، من قبيل شعارات تذكّرنا مباشرة بالبيروسترويكا الرّوسيّة التي اعتمد فيها ( غورباتشيف ) على زمرة من الأجهزة السّياسيّة ، كحاضنة سياسيّة للتّدمير الممنهج للوطن .
يوجد لدينا في سورية ، مثل أيّ بلد آخر في العالم المتخلّف – وهذا على الأقلّ! – منظومات لقوى اجتماعيّة و سياسيّة باتت تطمح ، بكلّ بساطة ، إلى الهيمنة على قرار الدّولة الاقتصاديّ و السّياسيّ ، في مواجهة إنهاك مجتمعيّ قاصر عن مواكبة المتطلّبات الحيويّة و المعيشيّة و المواطنيّة ، التي يتطلّبها استمرار مساحات اجتماعيّة شاسعة كانت الدّولة تقوم ، في االأساس ، عليها حتّى هذه الّلحظة .
و عندما نضيف ، جمعاً ، إلى هذه القوى المناهضة تقليديّاً ، للنّظام السياسي الوطني الممانع .. تلك الطّبقة الجديدة من أثرياء الحرب و تجّارها و سماسرتها الذين دخلوا عالم المال و ما ينجم عنه من اقتصادات استهلاكيّة مدمّرة ، فإنّ المجموع الجديد يعمل بدأب لتفريغ البعد الوطنيّ الاجتماعيّ من معظم مقوّماته و مقدّراته ، لنصبح أمام “ إعادة هيكلة ”( بيروسترويكا ) اقتصاديّة و اجتماعيّة في كنف علنيّة وعلانّية وشفافيّة ( غلاسنوست) ، مدمّرة لكل ما تبقّى من وجود تاريخيّ للإنسان الاجتماعيّ الذي تقوم عليه الدّولة في “المؤسّسات” هذه التي ستتحوّل ، بفعل العدوى السّلوكيّة و المقارنات و القياسات غير المنطقيّة ، و لكنّها من طبيعة البشر ، إلى مؤسّسات ستسلك في أفرادها و قادتها و إدارييها و عمّاها و منتجيها ، سلوك اليأس الأخلاقيّ الوطنيّ ، في الأقلّ ، و سلوك تقليد المستهلكين الجدد الذين توسّعت دائرتهم و ازدادت أعدادهم ، عن طريق الإغراق و الاستغراق المقصود بالفساد الذي سيأخذ له أبعاداً و أشكالاً منظّمة ، بحيث يجري العمل ليكون نواة حقيقيّة لانهيار الدّولة الذي يريدون له أن يكون مرتقباً .. و الذي يحتاج لمواجهته بمسؤوليّات تاريخيّة ، في مثل هذه الظّروف و الحالات ، بأسبابه الكاملة .
13▪و حيث تتحقّق أهداف ” الثّورة !! ” الفاجرة بحرّيّتها الفعليّة ، ف تحرّر الغول الاجتماعيّ و السّياسيّ ، متوجّهاً إلى الالتهام و التّحطيم و التّدمير و التّخريب ، فإنّ المشهد العامّ يغدو فيه الخراب شيئاً طبيعيّاً بل و ضروريّاً كضرورة لاكتمال المنظر بخلفيّته و كادره التّشكيليّ الشّرطيّ و الّلازم ، بحيث أنّ الطّبقة أو الفئة التي ستدير المؤسّسات ، هي نفسها سوف تكون ممّن تقدّموا و ترفّعوا في هيراركيّة الّلاهوت الاقتصاديّ السّياسيّ الجديد ، بل و سوف يكونون هم المؤهّلين الوحيدين ، و ذلك بفعل دخولهم العريض من باب الشّهرة و الموقع الاجتماعيّ و السّياسيّ و الإعلاميّ ، الذي سيؤهّلهم إلى المزيد من ابتزاز الوطن و بقايا المواطنين ، بحيث يؤدّون دوراً تاريخيّاً شبيهاً بالدّور السّياسيّ في “البيروسترويكا” الرّوسيّة ، التي دمّرت أكبر أمل تاريخيّ للشّعوب المضطهدة على مستوى المعمورة ؛ موجّهين البوصلة نحو المزيد من الفساد الذي سوف يكون له معنًى جديدا هذه المرّة ، و هو ظهوره بمظهر القهر و الإذلال البشريين ، و الارتهان النّهائيّ للبورجوازيّة السّياسيّة العالميّة ..
و يراد للإنقسام الاجتماعيّ العموديّ الذي عجزت عنه قطعان البرابرة و القتلة و المجرمين الإسلامويين ، أن يتحقّق بطريقة شرعيّة و مشروعة و مباحة و متاحة وحرّة ، وتحت “ أرقى!! ” الشّعارات المعاصرة من تلك التي تقول بالدّيموقراطيّة و الّليبيراليّة و الّليبارتيّة ، وَالِجِينَ ، جميعنا ، عولمة المكان و ارتباطه بعجلة البورجوازيّة العالميّة عن طريق بورجوازيّة كومبرادوريّة مطوّرة و محسّنة ، كما تقتضي شروط ما بعد الحداثة و بخاصّة في تفكيك و انحلال آخر القيم ، التي عول عليها العقل ، يوما ..
14▪ و هنا ، لا نحذّر من واقع احتماليّ ، و لا نبحث في واقع افتراضيّ ، بقدر ما نعمل على توصيف ” واقع ” تحقق الكثير منه ، بل فاق الكثير من التّصوّرات و الأعمال المباشرة و الأفعال المنظّمة ، و بدد الكثير من الآمال التي شكّلت مناعة وطنيّة كبيرة في وجه النتائج الوخيمة و الأكثر بعداً و غايات نهائيّة .. للحرب السّوريّة على الإرهاب العالميّ و المحلّيّ ، على وطننا ، و كانت سدّاً مانعاً في وجه زوال الدّولة و المجتمع ، في سورية ، و الذي كان مخطّطاً لهما هذا المصير من قبل أكبر دوائر القرار العالميّ المعاصر!..



