صراع السّلطات .. انتشار “السّلطة” وتخفّيها في الثّقافة

بقلم : د . بهجت سليمان

 

■ إنّ الخروج من حالة الحرب في سورية، كما في كلّ التّاريخ ، يَعِدُنا – كما تبشّر المعطيات الثّقافيّة – بالتّحوّل بالأدوات الاجتماعيّة و السّياسيّة ■

1▪ في المفاصل الانتقاليّة التّاريخيّة تختلط الصّورة الواضحة و تتركّب بدلاً منها صور أخرى تزاحمها و تعمل على استبدالها ، و غالباً ماتنتحل الصّورة الجديدة شكلَ الصّورة الأصليّة ، فيختلط المشهد على النّاظرين و النّقاد سواءٌ بسواء .

و بعد فترة من الغياب الأصليّ لوقائع التأسيس يغدو الواقع حولنا نابعاً تلقائيّاً من ذاته بذاته ، و هذا ما يحصل مع وعينا المزيّف ، في فضيلة “ الحكم ” العقلانيّ التي تؤيّد لنا سبل استمرارنا الطّبيعيّة ، مع أنّ الإنسان لا يحيى ، هكذا ، على أطراف الصّراعات التي تعنيه و تصنع مستقبله في وطنه و مستقبل أبنائه .

2▪ و لا تكتفي تلك السّلطات التي تتحكّم بالمجتمع و الجماعات الهامشيّة و الفئات المغلوبة اجتماعيّاً و اقتصاديّاً و سياسيّاً ، مسلوبة القرار و الرّأي و التّواجد في مركز الحدث ، بقربها النّسبيّ أو ببعدها عن مراكز القرارالاجتماعيّ والسّياسييّ ، ليحلّ محلّها أولئك الذين فوّضوا أنفسهم بأنفسهم ، ليكونوا ممثّلين حصريين للهامشيين من دون أيّ أصوات أو تصويت أو توكيل أو تفويض ، بحيث يبدو المشهد التّمثيليّ الكاذب عبارة عن اغتصاب سلطة عائدة للبسطاء ، من قبل طبقة من ” الأنتلجينيسيا ” ذات الياقات البيض و الهندام البرّاق و الأهداف الشّخصيّة و الخاصّة ، التي تؤول جميع نتائج نشاطاتها و ”نضالاتها” إلى الطّبقة التي تمثّلها من أبناء ”الذّوات” ، بأهدافها المشغولة بعناية تاريخيّة خاصّة و تدبير يدخل في عداد الأسرار .

3▪ و مع وعي البسطاء لطبيعة هؤلاء الذين اّدعوا تمثيلهم و قد تخلّوا عن ”المواثيق” و الالتزامات و العهود التي رفعتهم إلى أماكن الّتمثيل السّياسيّ ، تحدث الخلخلة الاجتماعيّة التي ليس التّعبير عنها في اختلال الثّقة ، و إنّما في مستقبل إنتاج هذه العلاقة و تعبيرها الموضوعيّ عن ذلك العقد الاجتماعيّ ( المزيّف ) إن صحّ إسمه على هذا النّحو .

4▪ هنا يحدث للوعي أن يتنامى عند هؤلاء الهامشيين ، ليجدوا في أنفسهم فئة مغلوباً على أمرها أو مغفّلة ، ليبرز من بينهم قادة نضاليون و تاريخيون يعبّرون عن مظالمهم الاجتماعيّة و السّياسيّة ، مطالبين بالحقوق ذاتها التي لعبت عليها الطّبقة السّياسيّة التي تحكم و تشرّع ، و قد خانتها خيانات تاريخيّة ، فاندمجت هذه ” الطّبقة ” في قطار ” المصالح ” المبنيّة على تجاهل ” المجتمع ” بطبقته المعدمة ، و لتتجاهل و تتناسى وعودها التي رفعتْها إلى واجهة الحدث السّياسي ، الذي جعل منها طبقة متمايزة عن مجموع السّكان و المواطنين .

5▪ في هذا المشهد تبرز ، أساساً ، سلطتان متوازيتان ، تعمل كلّ منهما على استحواذ خطاب ”الوطنيّة” لتفوز ، بطبيعة الأمور ، الأقوى تلك المانعة للأخرى من التّمتّع بهذه الممارسة و إثبات إخلاصها الوطنيّ ، الحرّ أو المزعوم ، مع أنّ الممارسة هي معيار التّفريق الوحيد الذي بواسطته تثبت أيّ منهما موقعها الوطنيّ الحقيقيّ و الصّريح .

6▪ ترتفع وتيرة الفوضى و الخلط في هذا المشهد كلّما انحرفت الظّروف عن طبائعها الملاصقة ، و بخاصّة أيّام الفوضى الكارثيّة التي تنتج ، مثلاً ، عن الحروب و الأزمات الحادّة الشّاملة .

7▪ و بعيداً عن الحرب ، و بعد سكوت أصوات نارها ، تعود الحرب القائمة أبداً على ليّ أو تكاسر الإرادات الثّقافيّة و الفكريّة التي تحلّ محلّ لغة الرّصاص الحيّ ، إلى الواجهة الاجتماعيّة ، و من أجل الأهداف نفسها – إن لم تكن أبعد ، أيضاً – تلك التي كانت في جوهر أهداف الصّراع المسلّح الذي عبّر عن التّناقض بصراحة و من دون تخفٍّ كما يحصل ، عادة ، في ما يِسمّى أوقات السّلم .

8▪ تبرز إلى المواجهة الصّريحة و مقارعة القوّة للقوّة و السّلطة للسّلطة و صراع الأضداد ، الأفكار و المصالح و المشاريع العتيقة الحديثة ، و بعودة سريعة ، بحيث لا يخلو المكان التّاريخيّ الزّمنيّ من لغة التّناقض التي تكتب سطور التّاريخ بالعنف الصّريح و العنف المُبطّن ، و إن بلغة تختلف هذه المرّة عن لغة النّار .

9▪ و إذ تغدو ”الثّقافة” ، كما هي دائماً ، ملكاً للجميع ، فلا يستطيع أحدٌ ادّعاء ملكيّتها الحصريّة ، نجد أنّ صراع الهويّة الاجتماعيّة ينتقل إلى التّأويل و التّفسير في خلافات و اختلافات ” تقَانِيَّةٍ” و ”أسلوبيّة” ، و لكنّها تتضمّن في الصّميم موقفاً تاريخيّاً ، اجتماعيّاً و سياسيّاً ، قلّما تتنبّه إليه سلطات ”الخطاب” الرّسميّة ، حيث تتفوّق عليها ، في هذا الجانب ، تلك ”السّلطات” ناعمة الملمس و فتّاكة الأثر و التّأثير .

10▪ و عدا عن الموروث و المتوارث من أفكار و مواضيع و تحدّيات الصّراع الاجتماعيّ و السّياسيّ ، فإنّ التّناقض الآخذ أشكالاً متباينة من الصّراع يتحدّد ، متجدّداً ، على المستقبل الاجتماعيّ و السّياسيّ ، في مجاراة ”التّطوّر” العالميّ الذي هو إمّا أن يوافق و إمّا أن يُهدّد المصالح التّاريخيّة المتواجهة للطّبقات أو الفئات أو الجماعات أو السّلطات أو الاستراتيجيّات ، التي لم يُنهكها وقوفها على هامش الحرب ..

بقدر ما جعل منها واقعاً مستقلّاً مهّد لها الطّريق الأكثر قابليّة للظّهور و النّخفّي ، في التّعبير بالمواقف الصّريحة أو الضّمنيّة عن العداء الأبديّ للأفكار و المصالح التّاريخيّة الاجتماعيّة و الوطنيّة ، في مجرى سياق السّياسة في التّاريخ .

11▪ و لأّنه ما من ”إرادة مطلقة” يمتلكها أيٌّ من مختلف أطراف الصّراع التّاريخيّ حول ”السّيطرة” و ”السّيادة” ، فإنّنا نقف ، دائماً ، على أوضاع للصّراع توحي بالبراءة و المجازيّة فيما هي تخفي ، و تتخفّى على ، أشدّ و أشرس مشاريع الصّراعات في ”المشروعية” التي لا تعاقب عليها ”القوانين” .. في مشهد تاريخيّ مربك ، عادة ، للسّلطات ”الخطابيّة” التّقليديّة ، و محيِّدٍ لها من ساحات الصّراع .

12▪ ينشط في هذا المناخ المخصّب للصّراع جميع أدوات الماضي التي ما زالت صالحة للاستخدام ، بما في ذلك أكثرها تأثيراً عاطفيّاً و تنويعاً على ”الثّقافة” ، بالإضافة إلى الوسائل المستحدثة و المحسّنة من الأجيال ”الَّتقنيّة” المعاصرة ، لأدوات و وسائل و أساليب الّتحدّي التي تستخدم كلّ جديد في سبيل تأبيد العتيق ، و رفع المكان الاجتماعيّ الرّجعيّ إلى واجهة صدارة المكان السّياسيّ ، في لغة انتقائيّة هي من مبتكرات ”الثّقافة” بتقاليدها التي يختلط فيها جميع معالم الزّمن و إيحاءاته لكي تتمكّن من السّيطرة على مفاصل الحركة في سيرورة التّوالد الزّمنيّ لمعطيات الحضور السّياسيّ ، القادر على تزييف كلّ مكان يحلّ فيه ، بطريقة استعاريّة ، و ربّما بلاغّية ، قادرة على تلويث الأمكنة الاجتماعيّة الخام و البريئة ، و التي لم تعهد عصر الصّراعات المباشرة التي تقول الأشياء بصراحة التّحدّيات التّاريخيّة ما بين الأطراف المتصارعة ، كإحدى بديهيّات العلاقات التّاريخيّة و الاجتماع .

13▪ من البديهيّ أن نذكّر ، من نفسي أو من لا يعلم .. أنّ كلمة ”الثّقافة” هي من أكثر الكلمات التباساً و تعقيداً مفهوميّاً في تاريخيّة الاصطلاحات الّلغويّة في جميع لغات العالم القديم و الحديث و المعاصر ، هذا و لم يسلم من هذا التّعقيد ، و أحياناً التّمويه المقصود ، كلّ ما كانت ”الثّقافة” من مصطلحاته في الصّفات و النّعوت ، و ممتلكاته المباشرة و الصّريحة أو غير المباشرة و الضّمنيّة ، و مهما كانت مناسبة أو سياق الاستخدام و الاستعمال و الاستثمار .

بَيدَ أنّ أقرب المقاربات في الإمكان للتّعبير عن دلالات ”الثّقافة” ( Culture ) التي نقصدها ، هنا ، و كذلك على العموم ، هو في مقابلتها لكلّ شيء ”طبيعيّ” – من ”طبيعة” ( Nature ) – أو كما كنّا قد أشرنا أعلاه في كلمة ”الخام” ..

و في هذا ”المدار” تبتعد و تتعاظم و تكبر حجوم ” القُطوع” النّاقصة Ellipse ” – بالّلغة الرّياضيّة – لتشمل فوق ما تؤطّره من “قِطاعات” واقعيّة أو موضوعيّة ، بما تمتلكه كلمة “الثّقافة” من إمكانيّات استعاريّة و مجازيّة و جوازيّة و قدرات باطنيّة على تشويه أو تمويه “الحقائق” البسيطة ، التي يتّفق عليها “العقل السّليم” الذي لا ينحاز إلى “السّلطات” أو إلى “الخطابات السّلطويّة” ، ناجزة المواقف و المواقع التّاريخيّة و السّياسيّة المتصارعة ، بصراحة و وضوح أيديولوجيين كفيلَين بجعل كلّ “ثقافة” ، خطّة محكمة التّفخيخ في مواجهة “الذّات” لِ”الآخر” بالتّجرّد عن كلّ وصف لهما .

14▪ لم يكن ( فرويد ) ناصعاً ، على ما كانت عادته ، عندما قال ( االدّين هو عُصابٌاجتماعيّ شامل ) ؛ و كان الَأولى به القول إنّ هذه الهيستيريّة الثّقافيّة في المجتمعات المتديّنة ، هي حالة العُصاب الاجتماعيّ الشّامل ، بعيداً عن غرض ”الإيمان” ، و كممارسة لأقصى الأيديولوجيّات الموهومة التي تتصارع في الثّقافات المتعدّدة في المجتمع الواحد ، من أجل تفوّق فكرة أو أفكار على أخرى ، و العمل على استبداد الأكثر عنفاً بباقي الأفكار التي تنزوي في زوايا الخوف و الاضطهاد و الخضوع .

15▪ إنّ الخروج من حالة الحرب في ( سورية ) ، كما في كلّ التّاريخ ، يَعِدُنا – كما تبشّر المعطيات الثّقافيّة – بالتّحوّل بالأدوات الاجتماعيّة و السّياسيّة من الفشل في المكان الاجتماعيّ و السّياسيّ في تحقيق أهداف هذه الحرب – على كلّ ما حقّقته من تخريب و قتل و تدمير – و التي كانت تذهب بأهدافها إلى أبعد من ذلك بكثير ؛ و تغيير السّلاح إلى سلاح آخر هو الدّخول في هوّة الحرب الثّقافيّة عبر مؤسّسات و أفراد و جماعات ، و أخذ المجتمع إلى ما لم تستطع الحرب أن تأخذه إليه ..

و ذلك في تجربة الأدوات الثّقافيّة المختلفة من مثل افتعال المواجهات الاجتماعيّة و الاعتقاديّة و الدّينيّة بخرافاتها السّاحقة ، لتخريب بقايا القيم الوطنيّة و الثّقة الأخلاقيّة بالهويّة الوطنيّة السّوريّة ، و استبدالها ب قيم تشرذميّة منغلقة في الفعل و ردّ الفعل الاجتماعيّ المبنيّ على جذر ”ثقافيّ” مُتقيّح الحقد التّاريخيّ ، في العلاقات الّراكدة و المتزمّنة من عصور بدائيّة قهريّة و ساديّة في نظرة بنيتها المتفاوتة و المختلفة ، صراحةً في الموقع و النّوع و العدد و ما يستتبعه ذلك من أوهام التّفوّق التّاريخيّ ، الذي لا يحول عن محاولاته في تدشيم التّخوم المصطنعة في الوعي المهدّد بالاندحار ، أمام حقائق العصر و حاجاته و فروضه التي لا تقبل التّأجيل أو التّبديل .

16▪ لقد صار ثابتاً أمام الثّقافة أو الثّقافات التي ”تفاءلت”(!) بدمار الهويّة الوطنيّة السّوريّة ، واقع أنّ ثمّة في الواقع السّياسيّ ما يكفي من الفيض الاجتماعيّ و الثّقافيّ للتّماسك التّاريخيّ للمكان ، و هو ما كان واضحاً ، عمليّاً ، في التّضحيات الوطنيّة الكبيرة التي عصمت هذا الواقع من الانفجار و التّشظّي المنتظر من قبل أولئك ”المتفائلين” ..

و حيث أصيبوا بعدّتهم و عديدهم بخيبة أمل و إخفاقات سياسيّة مباشرة ، فإنّهم يحاولون ، اليومَ ، تغيير ”التّكتيك” في بنية ”الخطاب” الثّقافيّ ، لكي يحصدوا خرابات لم تتحقّق لرغباتهم في الحرب ، بواسطة الّلجوء إلى تأزيم ”المجتمع” ، المتأزّم أصلاً ، بجرعة جديدة من إثارة الغرائز الثّقافيّة المستبطنة في بنية الجماعات المختلفة و إشعال فتيل صراع جديد متوقّع على كلّ حال ، و الذّهاب بآمالهم المسمومة إلى أقصاها ، انتقاماً من فشلهم و ثأراً للذّئبية في نفوسهم و ربّما انتحاراً للضّبع الجريح في معتقداتهم التي تدخل في إطار الثّقافات المبيّتة و الخاملة ، و لكن التي يرون أنّ وقتَ إذكائها قد أزفَ و صار مناسباً في هذا الهزيع من الزّمان .

17▪ من طبيعة واجبات السّياسة الوطنيّة ، و من حقوقها ، أيضاً ، أن تتوقّع وقوع الحدث الثّقافيّ الجِنائيّ .. قبل و قوعه و الذي يتجاوز في إمكانيّته الاحتمالُ الحَدَّ الحَرِجَ ، لا سيّما أنّ المُبَسِّرَاتِ ”الثّقافيّةَ” الدّّالّةَ على وشاكته بدأت ببعض الافتعالات الانشقاقيّة في النّسق الفكريّ السّياسيّ ذي البعد الثّقافيّ الاجتماعيّ ، و ربّما تمهيداً لتفجير أكثر أشكال الوعي الجمعيّ بدائيّة و سعاراً ، تحت عناوين مختلفة و لكنّها تتغذّى من المناهل الثّقافيّة و الاجتماعيّة المعطَّلة ، أو شبه المعطّلة ، التي تستهدف ، مباشرة ، النّسيج الاجتماعيّ التّقليديّ ، كما تستهدف القيم الثّقافيّة الاجتماعيّة الجديدة و الإيجابيّة التي خلقتها تضحيات الوطن في هذه الحرب الحمقاء .

18▪ في هذه المقاطع التّاريخيّة الحرجة ، يكون واجب السّياسة مضاعفاً بالقوّة و الحكمة و ترصّد المداخل المحتملة للتّفتيت الاجتماعيّ ، بواسطة التّناحرات الثّقافيّة الدّالّة على أغراض و أهداف و غايات انتقاميّة و ثأريّة من جانب مَنْ يعمل على تأجيج آسبابها و دوافعها ..

و هو ، بلغة أخرى ، واجب الدّولة السّياسيّ الذي يتجلّى في مظاهر أساسيّة من المسؤوليّات التّاريخيّة التي هي من اختصاص الضّابطة السّياسيّة الوطنيّة ، لإيقاعات تجفيف مستنقعات دماء الحرب و بلسمة العواطف الجريحة في كلّ صوب و من كلّ حدب ، و مراقبة أفعال افتعالات الشّروخ الاجتماعيّة الثّقافيّة الإضافيّة التي لم تستطعها الحرب .

19▪ يجب أن يكون قد ولّى زمن التّناحرات الاجتماعيّة الثّقافيّة التي كانت من محرّضات الحرب ، من المحرّضات على هول هذه الحرب ، و ذلك ما لا يتحّقق إلّا بقدرة الدّولة و قوّتها السّياسيّة التي عليها أن تكون طاغية في مثل هذه الظّروف ، مهما كانت اجتهادات و تقوّلات جماعات و قطعان و أوباش النّاقمين على الدّولة و نظامها السّياسيّ العامّ ، أولئك الذين يتربّصون بالأمن الاجتماعيّ محاولاتهم التي من طبيعتها التّاريخيّة التّناقضيّة لا يمكنها أن تهدأ أو ترعوي أو تسلّم أسلحتها ”السّرّيّة” ، التي تشهرها في أوقات إفلاساتها الشّاملة ..

و حيث أنّ أضعف و أقوى الأسلحة السّرّيّة ، في الوقت نفسه ، هي أسلحة التّمزيق الثّقافيّ لمجتمع ، جاهز بما آل إليه مع هذه الحرب ، من انعدام الثّقة المتبادل بين مختلف الثّقافات الاجتماعيّة المتواترة التّوتّر في التّاريخ ..

فإنّه هنا بالضّبط يكمن أضعف الجوانب التّاريخيّة المؤهّلة لاحتمالات انزلاق المجتمع إلى حروب ”الثّقافة” ، بما هي صراعات مجّانيّة ، لولا مخاطرها القائمة في هذه الظّروف الحسّاسة و الحاسمة من تاريخ سورية الحاضر ، بما قد انتابه من تهويش ”ثقافيّ” حدّي ، في الصّراع الذي بلغ ذروته المعقّدة في غضون نهايات هذه الحرب بالذّات !

20▪ أخيراً لا مانع يمنع من ضرورة التّذكير بأنّ صراع الثّقافات على أهداف أصحابها ، أو بعض أصحابها ، المتباينين في القوّة و العنف و الطّموح السّياسيّ الّلاغي للشّرعيّة الوطنيّة ، إنّما هو صراعٌ على ”السّلطة” .. صراع بين ”سلطات” ثقافيّة و اجتماعيّة متفاوتة الكمون الجماهيريّ ، و هو ما يجعلها تنساق وراء إغراءات أوهامها بالإمكانيّة و القدرة و التّفوّق و الحسم و السّيطرة و كتابة التّاريخ بأقلام من زور و بهتان و إفك ، من واجب القوّة المباشرة ، أو غير المباشرة و في الأدوات الثّقافيّة حصراً ، للدّولة بكلّ ما أوتيت من أدوات و بما لم تؤتَهُ أيضاً ، و الذي يمكن لها أن تخترعه .. أن تشكّل الظّهير التّاريخيّ المنيع للثّقافة المعاصرة التي اختبرتها المجتمعات المتقدّمة ، عمليّاً ..

و كانت أن أثبتت نجاعتها في التّغيير و المضيّ في المختبر السّياسيّ لعالَمٍ كلّ ما فيه ، يشكّل تحدّياً للمجتمعات التي لم تنجز هويّتها المتماسكة و الدّافعة نحو الغايات التي تنشدها الشّعوب .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى