ليلنا معتم.. يا كافكا
بقلم : إنصاف قلعجي

” ما يزال الليل ليلاً أكثر من اللازم ”
وما يزال فرانز كافكا، ومن فترة، يلازمني، يتلبسني، يؤرقني، فيجعل الليل ” ليلا أكثر من اللازم”، فأرى العالم، القاتم أصلا، أكثر ظلمة ووحشة.
هو الذي قال عنه النقاد إنه أب الأدب الغربي الحديث، وأكبر كاتب في اللغة الألمانية في عصرنا، وعبقرية لا يجود بها الزمن سوى مرة واحدة كل قرن، وواحد من أعظم الكتّاب في تاريخ الأدب… ولأن لكتاباته طابعا خاصا، فإن النقاد استعملوا مصطلح الكافكوية لتعبر عن الكتابات التي تلتقي في مضمونها وأجوائها مع كتابات كافكا. ومن هنا يقول الفيلسوف الألماني ثيودور أدورنو: إن كل من تمر عليه عربات كافكا، سيفقد حتما، وإلى الأبد سلامه مع العالم.
في قصته القصيرة جدا التي ترجمتها هبة حمدان، يقول كافكا: ” أمرتُ بجلب حصاني من الإسطبل. لم يفهم الخادم أوامري. فذهبتُ بنفسي إلى الإسطبل، سرجتُ حصاني وامتطيته، ومن بعيد، سمعتُ صوت بوق، وسألتُ الخادم عنه. لم يكن يعلم شيئا كما لم يسمع شيئا. وعند البوابة، أوقفني وسألني:” إلى أين أنت ذاهب يا سيدي؟”، ” لا أعرف” قلتُ له، ” بعيدا من هنا، فقط، بعيدا من هنا، بعيدا من هنا، لا شيء آخر، فبهذه الطريقة فقط سأصل إلى هدفي”، ” إذاً أنت تعرف ما هو هدفك؟” سأل، “نعم” أجبته، ” لقد أخبرتك للتو، بعيدا من هنا… هذا هو هدفي”.
ولد فرانز كافكا في يوليو تموز من عام 1883 في براغ، من عائلة ألمانية، وأمضى طفولته شبه وحيد حيث كان والداه يغيبان عن البيت لانشغالهما بالأعمال التجارية. عام 1906 نال درجة الدكتوراه في القانون. كتب الرواية والقصة القصيرة والرسائل إلى جانب المقالات الصحفية. ومن أشهر رسائله”رسالة إلى الوالد” ورسائله إلى ميلينا جيسينسكا التي أحبها، وقامت بترجمة بعض كتبه من الألمانية إلى التشيكية.. وكانت الكتابة هي هدف حياته وجوهرها.
ما الذي دفع كافكا إلى هذا العالم السوداوي المليء بالغربة والاغتراب داخل عوالمه القاتمة؟
من الأمور التي تساعدنا في الولوج إلى عالم كافكا، وفهم هذه النفس القلقة، هي العلاقة المتوترة المضطربة مع والده منذ طفولته، فوالده كان تاجرا قويا ناجحا ، ذا سلطة عنيفة في عمله وفي بيته. ففي رسالته الشهيرة إلى والده حملت عنوان”رسالة إلى الوالد”، يبدؤها كافكا بالعبارات التالية: “والدي الأعز.. سألتني ذات مرة مؤخرا: لماذا أدّعي أنني أخافك؟ وكالعادة لم أكن أملك القدرة على التفكير بأن أجيب عن سؤالك: فمن جهة، بسبب هذا الخوف الذي أستشعره أمامك، ومن جهة أخرى، لأن تفسير هذا الخوف يتطلب تفاصيل أكثر مما أستطيع أن أجمعه تقريبا من خلفيات محزنة لهذا الخوف عند الكلام. وعندما أحاول الآن أن أجيبك كتابةً، فلن يكون الأمر تاما كما ينبغي، ذلك لأن الخوف وعواقبه يعيقني إزاءك في الكتابة أيضا، ولأن حجم الموضوع يتعدى قدرة ذاكرتي وعقلي على الاستنتاج…”.
كتاب فرانز كافكا” رسالة إلى الوالد” صدر باللغة العربية عام 2017 عن الدار الأهلية في عمّان بترجمة يوسف عطا الطريفي. وهو آخر ما كتبه كافكا قبل موته. لم يجرؤ أن يسلّم الرسالة إلى والده، فطلب ذلك من والدته التي رأت بأن الأمر سيتفاقم بينه وبين والده، فأعادته له.. ليستلمها صديقه ماكس برود، الذي نشر أعماله بعد وفاته، وتصبح هذه الرسالة أدبا إنسانيا جميلا. ويرى ناشر الكتاب بالعربية أن هذه الرسالة موجّهة إلى معظم الآباء في العالم.. وكتب عنها آلاف الرسائل الجامعية، من رسائل الدكتوراه والدراسات والتحليلات واقتبس بعض جملها كبار العلماء في مجال تربية الطفل…
يذكر كافكا في رسالته حادثا تعرض له في طفولته، وهو ما ترك أثرا كبيرا في حياته وشخصيته السوداوية. كان يبكي في إحدى الليالي طلبا لجرعة ماء” ليس عطشا بالتأكيد، وإنما على الأرجح كي أثير إزعاجا من ناحية، وأتلهّى من ناحية أخرى”.. فما كان من الأب إلا أن صرخ في وجهه وحمله إلى الشرفة وهو يرتدي(كافكا) قميص النوم الداخلي، وتركه هناك، مغلقا الباب لفترة قصيرة… يقول كافكا”… وحتى بعد سنوات، كنت ما زلت أعاني من التخيل المؤلم، بأنه يمكن للرجل العملاق والدي، الذي هو السلطة العليا، أن يأتي بلا سبب تقريبا، ويحملني من فراشي، ويضعني على الشرفة، وأن أكون إذن مثل اللاشيء بلا ريب المقلق بالنسبة له”..
الكتابة، كانت الشيء الوحيد الذي يخفف من معاناته، وكانت كما يقول” شكل من أشكال الصلاة”. لكن، كيف كان والده يرى كتابات ابنه؟ كان يستهزئ بكل ما يكتبه كافكا، وحين كان يصدر كتاب له، كان والده يقول” ضعه على الطاولة الصغيرة بجانب الفراش”. كان إثبات وجوده الفكري شغله الشاغل ” فمنذ أن وعيت وأنا مهتم أعمق الاهتمام بإثبات وجودي الفكري، بحيث أن كل شيء آخر كان سيان عندي”.
كتبت دراسات كثيرة عن كافكا، ولعل أهمها، كما تذكر”ثقافات” الالكترونية، تحت عنوان” سيرة كافكا في 50 سؤال وجواب” حيث ترجمها الباحث إبراهيم وطفي، هي رسالة دكتوراه عن كافكا، نشرها راينر شتاخ في ثلاثة أجزاء، تفرغ طوال ثمانية عشر عاما(1996-2014) لكتابتها. وفي سؤال وجه إلى شتاخ…” رسالة إلى الوالد” هي تصفية حساب لا تعرف الرحمة، لم يكتب ابن ولم يتلق والد مثلها في تاريخ الأدب. وبعد أن أكمل الكاتب كتابتها في براغ، بلغت 103 صفحات بخط اليد، وقد انتهت من دون تحية”فرانز”. يجيب شتاخ” كانت قيامة كافكا قد قامت، وكان لديه الحق في ذلك. كانت علاقته المتوترة طوال حياته مع والده باتت لا تطاق بعد أن كان هذا قد أهانه وحقّره أكثر مما كان قد فعل في أية مرة أخرى.. يمكننا أن نفهم أن كافكا أراد أخيرا أن يردّ الضربة…”. وفي سؤال آخر: تعد”رسالة إلى الوالد” نصا أساسيا للحداثة الأدبية، مع كل رونق للأسلوب الذي كتبت به، فهي ملوثة بالعداوة والكراهية”. يجيب شتاخ” كافكا لم يكن يكره والده على نحو كامل، لكن كانت بعض المشاعر قد تراكمت وتخزّنت. كان هرمان كافكا دعيّا فشّارا لا يفكر بمفاعيل كلماته. أما بالنسبة لفرانز كافكا مرهف الحساسية، فقد كانت عزة النفس أمرا في غاية الأهمية. إذا ضنّ عليه أحدهم بالاحترام، كان في مقدوره أن يردّ بقساوة وبرودة…”.
ما يزال الليل ليلا أكثر من اللزوم، وقد ازداد قتامة، يا صديقي فرانز كافكا.



