فنان العتمة

بقلم : إنصاف قلعجي

هكذا سمّي في عصره.

ما الذي دفع الروائي النرويجي كارل أوفه كناوسغارد ليكتب في جزئية من روايته، عن العينين، والربط بينها وبين كينونة الإنسان داخل لوحة، خاصة عيني الرسام الهولندي الشهير رامبرانت الذي عاش في القرن السابع عشر، لتتجسد كينونته في لوحة واحدة، رآها كارل أوفه، رغم اللوحات الشخصية المتعددة التي رسمها رامبرانت لنفسه، تبعا للحالات النفسية المعتمة التي مرّ بها عبر حياته، بتوالي الصدمات، وقد بلغت البورتريهات الشخصية ما يقارب المائة لوحة المصاحبة لحالاته النفسية، وكانت تمازجها ألوان فاترة إلى حد ما، فلما دخلت الفتاة ساسكيا حياته، استيقظ اللون في لوحات، لكنها عادت إلى الخفوت والحزن بموتها. ما الذي شدّ كارل أوفه إلى تلك اللوحة بالذات؟

صدرت رواية “كفاحي” للروائي كارل أوفه كناوسغارد باللغة العربية عام 2017  بجزئها الأول المعنون “موت في العائلة”، والذي ترجمه  الحارث النبهان ( وإن كانت الترجمة لا تخلو من الأخطاء النحوية).والرواية في ستة أجزاء. يقول عنها جيمس وود في “ذا نيويوركر” “رواية حيوية شديدة الكثافة.. جمل هادئة بسيطة واضحة بالغة الأثر.. يريدنا كناوسغارد أن نألف اعتيادية الحياة التي تكون مشرقة أحيانا، مبتذلة أحيانا، وهائلة في أحيان أخرى، لكنها كلها اعتيادية تحدث في مجرى الحياة ولكل إنسان، وإن بطرق مختلفة.. فيها ما دعاه وولتر بنجامين “الوجه الملحمي للحقيقة، الحكمة”.

يبدو من خلال الرواية أنه تأثر بشكل كبير بالروائي الفرنسي مارسيل بروست في رائعته”البحث عن الزمن الضائع” ، إذ يقول كارل أوفه” … لم يبق من آثار حياتي السابقة إلا كتب وتسجيلات أتيت بها معي. تركت خلفي كل شيء آخر. وبينما كنت أمضي الكثير من الوقت مفكرا في الماضي، في ذلك الوقت، الماضي الذي رأيته كأنه كمية من زمن كئيب فاتر(هذا ما أدركه الآن) اتضح لي أن هذا يعني أنني لم أكتف بقراءة” البحث عن الزمن المفقود” لمارسيل بروست، بل صرت كأنني تجسيد لتلك الرواية أيضا..”.

أقتبس هنا ما قاله عن العينين:” العينان هما الشيء الوحيد الذي لا يشيخ في الوجه… النور فيهما لا يتغير أبدا. هنالك في لندن لوحة تؤثر في نفسي كثيرا كلما رأيتها. إنها بورتريه متأخر لرامبرانت رسمه بنفسه. عادة ما تتميز لوحاته المتأخرة بخشونة فائقة في ضربات الفرشاة، خشونة تجعل كل شيء خاضعا لتعبير اللحظة الراهنة، خشونة عبقرية جليلة في الوقت عينه لم يستطع أحد ما تجاوزها في الفن إلى الآن…. إن هذه اللوحة المعلقة في المعرض الوطني هو رامبرانت كبير السن. إنه في سن متقدمة. تفاصيل الوجه مرئية كلها، ويستطيع المرء رؤية الآثار التي تركتها الحياة عليه. وجه متغضّن، مجعّد، متهدّل، أضناه الزمن. لكن العينين لامعتان! عينان، تتجاوزان الزمن الذي ترك علاماته على الوجه. تبدو تلك اللوحة كأن شخصا آخر ينظر إلينا من مكان ما داخل ذلك الوجه حيث يكون كل شيء مختلفا. لا يكاد يستطيع المرء أن يكون أكثر قربا من روح إنسانية أخرى. هذا لأننا(بقدر ما يعنينا شخص رامبرانت) لا نرى في هذه اللوحة عاداته الحسنة أو السيئة، ولا أصوات جسده ولا روائحه، ولا نسمع صوته ولا لغته، ولا نعرف أفكاره ولا آراءه، ولا نبصر شيئا من سلوكه أو عيوبه ونواقصه الجسدية… لا نرى شيئا مما يشكل الشخص في أعين الآخرين…. إن ما هو مصوَّر هنا، ما رسمه رامبرانت، هو كينونة الشخص نفسها التي يستيقظ فيراها كل صباح، الكينونة التي أغرقت نفسها في الأفكار، لكنها لم تكن فكرة. الكينونة التي أغرقت نفسها في المشاعر من غير تردد، لكن لم تكن شعورا. إنها هي ذاته التي يذهب فينام معها آخر الأمر، ينام إلى الأبد. إنها الشيء الذي لا يمسّه الزمن في الإنسان، وهي اللحظة التي ينبع فيها الضوء من العينين. الاختلاف بين هذه اللوحة وبقية اللوحات التي رسمها رامبرانت في سنوات عمره الأخيرة هو الفارق بين أن تَرى وأن تُرى. أقصد أنه، في هذه اللوحة، يرى نفسه رائيا بينما يكون مرئيا في الوقت عينه، ولا شك في أن هذا ما كان ممكنا إلا في عصر الباروك المولع بالمرايا داخل المرايا، وبالمسرحية داخل المسرحية…”.

لا بد من الفنون للاستمرار في… الحياة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى