لصناعة المكانس.. 30 عاماً بين عيدان القش

نابلس - قدس برس

وسط معمله الصغير في شارع القدس شرق مدينة نابلس الواقعة شمال الضفة الغربية المحتلة، لا يزال “أبو عاطف الروجيبي” على ذات الكرسي منذ ثلاثين عاماً، يجمع عيدان الذرة الصفراء ويضمها إلى بعضها البعض بخيط “مجدول” ويشدها بسلك معدني، ليحولها بأنامله المشققة وأكفه الصلبة إلى مكانس من القش.

السبعيني “أبو عاطف” أو شيخ صانعي مكانس القش كما يُطلِقُ عليه جيرانه ومعارفه، يُعتبر اليوم أقدم وآخر رجل في نابلس يعرف فنون وتفاصيل هذه المهنة التي توشك على الاندثار.

يحدّث “قدس برس” عن بدايات عمله، فيقول “قبل أكثر من 35 عاماً كنت مزارعاً كبقية المزارعين في قريتي روجيب شرق نابلس، أحرث الأرض وأبذرها وأجني محصولها، بعدها قرر والدي إقامة محل صغير لصناعة مكانس القش في المدينة، ومنذ ذلك الوقت لازمته وتعلمت منه الحرفة”.

ويضيف “صناعة مكانس القش ليست بالحرفة الصعبة ولكنها تحتاج لصبر وطول نفس”.

وعن مراحل صناعة المكانس، يشرح أبو عاطف “في البداية نشتري عيدان قش الذرة بعد قصها من الأرض من القرى المجاورة لنابلس كبيت فوريك وعورتا وبورين، ثم نجففها تحت أشعة الشمس في الصيف، وبعد التأكد من تنشيفها بشكل كامل نبدأ بتجميع كل خصلة لوحدها بخيط، ثم نضم هذه الخصل الصغيرة مع بعضها بسلك معدني، ثم نقوم بتقليم العيدان الخارجة عن مسربها ونتأكد من إزالة بذور الذرة التي لم تسقط عن العيدان”.

إلا أنه ومع مرور الزمن بدأت هذه الصناعة بالاندثار شيئا فشيئا، خلافا لما كان عليه حال هذه المهنة المجدية في السابق؛ “فكان في معملي هذا أكثر من 7 عمال، يصنعون بين 250 – 300 مكنسة في اليوم، تُصدّر إلى أسواق الأردن وقطاع غزة والداخل، أما اليوم فبقيت وحدي هنا ولا أصنع غير 50 – 60 مكنسة في اليوم”، كما يروي الحاج السبعيني لـ “قدس برس”.

ويضيف “السماح بالاستيراد من الخارج أضر بحرفتي، فبعض الناس صارت تفضل المكانس البلاستيكية المصرية على المكانس المحلية، ومن أجل ذلك صرت مضطراً لبيع البلاستيكية مجاراة لطلب الزبائن”.

وعلى الرغم من ذلك، يؤكد أبو عاطف على أن مكانس القش لا تزال مفضلة عند بعض الزبائن؛ فهي أطول عمراً وأكثر ليونة من المكانس البلاستيكية وأفضل تنظيفاً خاصة للساحات الخشنة، وهو ما يجعلها مطلوبة من قبل التجار؛ لا سيما في الخليل ورام الله؛ حيث يقصدونني أسبوعيا لطلب كميات من هذه المكانس.

وعن أنواع مكانس القش، يبيّن أبو عاطف “بعضها صغير وبعضها كبير، بعضها بعصا خشبية وبعضها من دون عصا، بعضها كثيف وبعضها أقل غزارة”.

ويشدد أبو عاطف على أنه محب لمهنته ويشعر بالاستمتاع خلال ساعات العمل التي تمتد بين الساعة الثامنة صباحاً وحتى الرابعة مساء، غير أن ما يرافقها من أوجاع في الظهر والمفاصل ووخزات الأسلاك المعدنية في يديه ودخول عيدان القش تحت أظافره، تعكّر من مزاجه.

ويرفض أبو عاطف توريث هذه المهنة لأحدٍ من أبنائه الأربعة، قائلا “كلهم متعلمون وموظفون في رام الله ونابلس، ولا يوجد أي سبب يجعلهم يتعلمون صناعة القش (…)، زماني وزمن والدي مختلف عن اليوم (…)، اعتقد أن هذه المهنة ستنتهي خلال السنوات القادمة”.

وخلال حديث “قدس برس” مع أبي عاطف، تصل سيارة الحاج أبو إبراهيم من قرية قرواة بني حسان قضاء سلفيت (شمال الضفة الغربية)، طالباً الكمية المتفق عليها وقدرها 20 مكنسة، وبعد مساومة سريعة يتفق الطرفان على السعر وينقل أبو إبراهيم البضاعة إلى سيارته.

يقول أبو إبراهيم وهو يحتسي كأسا من الشاي “لو لم يكن أبو عاطف متقناً لعمله ولو لم تكن بضاعته جيدة لما أتيته من سلفيت (…)، أنا أعرف هذا الرجل وأتعامل معه منذ عشر سنوات (…)، هو مثال للأمانة والصدق (…)، أصبحنا أصدقاء ولم تعد العلاقة بيننا مجرد بيع وشراء”.

وعن نوعية زبائنه، يلفت أبو إبراهيم إلى أن الجيل القديم هو الذي لا يزال متمسكا باستخدام هذا النوع من المكانس التي طغت عليها الأجهزة الحديثة والمتقدمة، ليختم متهكما “نساء اليوم يفضلن المكانس الكهربائية”.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى