ذكريات معه

بقلم : انصاف قلعجي

 

قد قيل ما قيل. لكنها الأكثر صدقا وحميمية.

بعفوية جميلة خالية من الرتوش الادعائية الصاخبة، تكتب عنه:” لم تمر عليّ دقائق إلا وأنا حزينة.. وهو أمام عيني في كل لحظة عشتها معه.. صوته.. صورته المشرقة.. إنسانيته.. كفاحه.. جهاده.. كلامه.. أقواله.. خطبه.

لقد عشت مع جمال عبد الناصر ثماني سنوات قبل الثورة، وثمانية عشر عاما بعد قيامها في 23 يوليو سنة 1952. لقد تزوجنا في 29 يونيو سنة 1944.. أي عشت معه ستة وعشرين عاما وثلاثة أشهر.. فبالنسبة لي الآن أعيش مرحلة ما بعد رحيله.

لقد عشت معه مرحلتين قبل الثورة وبعدها، والمرحلة الثالثة هي التي أعيشها الآن بعد رحيله ولم يرها.. آه ما أصعبها.. يا لها من مرحلة قاسية من كل الوجوه.

فراقه وافتقادي له.. لم أفتقد أي شيء إلا هو، ولم تهزني الثمانية عشر عاما إلا أنه زوجي الحبيب.. أي لا رئاسة الجمهورية ولا حرم رئيس الجمهورية..”.

كتاب ” ذكريات معه” للسيدة تحية جمال عبد الناصر، صدر عن دار الشروق في القاهرة 2011 ، تروي فيه السيدة تحية ذكرياتها مع الزعيم الراحل جمال عبد الناصر، منذ أن عرفته وحتى لحظة رحيله. ومن ميلاد أولاده وأحفاده، إلى فلسطين وحصار الفالوجة، واجتماعاته المستمرة مع الضباط في الأيام السابقة على ثورة يوليو، وليلة الثورة، وزيارات أصدقائه، والمباحثات مع الإنجليز، ثم تأميم الشركة العالمية لقناة السويس، وهوايات الرئيس، وعدوان 1967، ثم إصابته بالسكري، والنوبات القلبية، واللحظات الأخيرة في حياة الزعيم جمال عبد الناصر.

يضم الكتاب ملحقا كبيرا لصور الرئيس مع زعماء العالم ، وصورا متنوعة لعائلته وغيرها من الصور.

ولعل أجمل ما في الكتاب، هو البساطة في سرد الأحداث، وعلاقة عبد الناصر ببيته، الذي كان يوليه اهتماما كبيرا رغم انهماكه في العمل السياسي، وقلق السيدة تحية المستمر على غياب الرئيس في مهمات كانت تجهلها.

تتحدث السيدة تحية عن رأي عبد الناصر في الاختلاط، أي اختلاطها بالضباط وعائلاتهم. فتقول: “كان رأي جمال في الاختلاط أنه لا يحبه.. بمعنى أن الضباط والأصدقاء يحضرون ومعهم زوجاتهم وأجلس معهم.. بل كان إذا حضر أحد ومعه زوجته يقابله بمفرده ويصافحه ثم يصطحب الزوجة إلى الصالة ويدخل لي في الحجرة ويقول: توجد سيدة في الصالة فلتسلمي عليها وتجلسي معها حتى تنتهي زيارة زوجها. وكنت غالبا لا أسلم على الضيف إذ كان يخرج من باب الصالون وتخرج زوجته وينصرفان..”.

وعن بعض عاداته، تقول:” كان منظما في كل شيء، ولا يحب أن يساعده أحد في لبسه، وكان عند رجوعه البيت يخلع البدلة ويعلقها بنفسه على الشماعة ويضعها في الدولاب، ودائما في حجرة النوم الشماعة التي هي قطعة من موبيليا الحجرة وما زالت موجودة في حجرته، وهي مصممة بحيث يسهل وضع الملابس عليها، وكنت أبدي رغبتي في مساعدته، ولكنه كان لا يقبل..”.

تشدنا التفاصيل الصغيرة كقراء، وخاصة إذا كانت تتعلق بحياة زعيم كبير مثل عبد الناصر، وبقلم زوجته.

حين حوصر عبد الناصر ورفاقه في الفالوجة بفلسطين، أرسل لزوجته رسائل كثيرة منها رسالة في 14/1/1949 يقول فيها: ” ما كنت أعتقد أنني سأفترق عنكم هذه المدة ولكن الحمد لله.. ويشجعني على ذلك إيمانك العظيم بالله فيجب ألا تقلقي ولا تحزني مطلقا لهذا الغياب. سنلتقي قريبا إن شاء الله سويا ونشكره شكرا جزيلا…فأنا بخير وسننسى كل شيء ونبقى سويا يا حبيبتي العزيزة إلى الأبد..”.

وتروي في مشهد قصة الزوج المحب، تقول:” في ليلة عندما رجع إلى البيت وطرق الباب، فتحت له- وكان الوقت ليس متأخرا- سألني: هل تناولت العشاء؟ فقلت له: لا لم أتناوله بعد… فقال: لقد كنت مع عبد الحكيم، ونحن راجعان عدّينا على محل كباب وكانت رائحة الشواء.. فقال عبد الحكيم: ندخل المحل ونتعشى، وعندما دخلنا فيه وقبل تناولنا العشاء أوصيت بتجهيز كباب لك. وبعد انتهائنا كان جاهزا.. فوجدته ما زال ساخنا. وقال: لقد قلت في نفسي كيف آكل كباب وتحية تتعشى جبنة؟..”.

وتتحدث السيدة تحية عن الأسلحة التي كانت تكدس سريا في البيت، وكذلك عن آلة الكاتبة التي كان يطبع الرئيس عليها أوراقا سرية . فتقول: ” كل شيء في البيت كان محظورا ولا يبعث على الاطمئنان.. وكنت أعرف ذلك لكن لم أفهم ما هي الغاية، ولم أجد إلا الحرص على الكتمان. وفي يوم رأيت في الحجرة كتابا عن أحد المقربين من الرسول عليه الصلاة والسلام هو “أبو ذر الغفاري”، أول اشتراكي في الإسلام.. حضر جمال ووجدني أقرأ فيه فقال لي: هذا الكتاب ممنوع في مصر وسآخذه بعد يومين.. فزادت رغبتي في قراءته.. وقرأته وقلت في نفسي: كل شيء أراه في البيت ممنوع حتى الكتب…”.

وليس أشهد على رجل من زوجة محبة مخلصة،  فكيف إذا كان هذا الزوج زعيما مثل عبد الناصر. لقد رعت السيده تحية أولادهما وبيتهما، وأولتهم عناية كبيرة، رغم كل القلق الذي كان يصيبها في غيابه.

وتقول في نهاية الكتاب:” والآن أعيش المرحلة الثالثة من حياتي حزينة أبكيه.. وقد زاد حزني حسرة، وسأظل أبكيه حتى أرقد بجانبه في جامع جمال عبد الناصر بمنشية البكري.. وقد جهز لي المكان الذي طلبت”.

وكان لها رحمها الله ما أرادت.

 

 

 

 

 

 

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى