الوحدة العربية ومسألة الديموقراطية 

بقلم : د. ساسين عساف/بيروت

الوحدة السياسية الديموقراطية مشروع نضالي تنهض به قوى سياسية تغييرية عن طريق النضال الديموقراطي الشعبي ما يحتّم وجود أحزاب وتيّارات قومية ديموقراطية. الوحدة والديموقراطية وجهان لحقيقة واحدة.

المشروع الوحدوي في الوطن العربي منذ الأربعينيات والخمسينيات والستّينيات ولد على يد (أو على الأقلّ حملت لواءه) حركات تحرّر وطني/ قومي وراحت تحشد له القوى الشعبية خصوصاً قوى الشعب العامل والنّخب بين المثقّفين والعسكر، وطرحت كذلك مسألة التنمية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي تتجاوز مجموعة قرارات إدارية يصدرها الحاكم لتتّصل بنضال الحركة الشعبية ووعيها لمصالحها ودورها النضالي. الوحدة والتنمية هما كذلك وجهان لحقيقة واحدة.

فكرة الوحدة والديموقراطية وفكرة الوحدة والتنمية شكّلتا إيديولوجيا التغيير والتحرير لدى حركات التحرّر الوطني والقومي، وهما فكرتان استقطابيتان تعبويتان استهوتا الجماهير الواسعة من المحيط إلى الخليج في معاركها مع قوى الاستعمار في الخارج وقوى الاستتباع في الداخل من أجل بناء دولة الوحدة.

رافق بروز هذه الحركات التحرّرية صعود قيادات ونشوء أحزاب قومية بأحجام معنوية وسياسية كبيرة تسلّمت السلطة وأقامت أنظمة سياسية واقتصادية واجتماعية جديدة حقّقت إنجازات ملحوظة على صعيد التنمية والإصلاح وتصفية بعض المواقع الاستعمارية، ولكنها لم تتمكّن من إعطاء الديموقراطية السياسية (تعدّدية أحزاب وتداول سلطة وحريات سياسية) بعدها ومعناها الحقيقيين.

الحكم في مصر وفي سوريا وفي العراق كان على استعداد ووعي وإرادة وحدوية عالية. ولكن، تكشّف بعد التجارب أنّ للوحدة اقتضاءات ومستلزمات على صعيد الوقائع والإمكانات ما لم تكن متوافرة.

هذا الحكم هو التعبير السياسي الأوضح عن معاني العروبة الوحدوية والفكر القومي الوحدوي والتجربة القومية الوحدوية. هذا التعبير السياسي، على مستوى الخطاب واضح ومفهوم، أمّا على مستوى الممارسة، لم يتمكّن من تقديم الدولة الوطنية نموذجاً صالحاً للدولة القومية أو دولة الوحدة لأنّه لم يعرف التعدّدية السياسية وتداول السلطة وقيّد الحريات العامة والخاصة فقامت أنظمة استبدادية وفئوية مسؤولة عمّا أصاب المجتمع من اختلالات بنيوية وتناقضات مصلحية أفضت إلى ما سمّي افتئاتاً “الربيع العربي”.

بفضل ذلك أضاع العرب فرصة البناء السياسي الديموقراطي، أي بناء الدولة الديموقراطية: من دولة القائد والحزب الطليعي الفئوي إلى دولة المؤسسات وتعدّدية الأحزاب وجميع المواطنين.

ليس لنا أن ننكر أنّ الحكم في مصر وفي سوريا وفي العراق خاض صراعاً مع قوى الاستعمار والقوى التقليدية المرتبطة بها في الداخل. والصراع معها اكتسب مضموناً سياسياً وقومياً ومضموناً اجتماعياً واقتصادياً. ذلك أنّ الناصرية والبعث يمثّلان قطاعات شعبية واسعة ذات مصلحة في تصفية مؤسسات الاقطاع والرأسمالية، فعمد كلّ منهما إلى إطلاق مشاريع تنموية على قاعدة الاستقلال الاقتصادي والتنمية المستقلّة والمنهج الاشتراكي خصوصاً في مسائل التأميم والإصلاح الزراعي. هذا صحيح وثابت وكان له تأثيره العميق في التحوّلات الاجتماعية الأساسية التي عرفتها مصر وسوريا والعراق والتي قضت على المنافسة الحرّة من حيث هي مضاربة واحتكار واستغلال، وعلى النظام الرأسمالي والإقطاع أو الملكيات الكبيرة.

كان من المنطق الطبيعي وحتميات أو ضرورات البناء الوطني المتكامل أن يرافق تحقيق الديموقراطية الاقتصادية/ الاجتماعية تحقيق الديموقراطية السياسية، فالديموقراطية، أصلاً، هي نظام للحكم (حكم الشعب لنفسه بنفسه) أي إنها سياسة قبل أيّ أمر آخر. ولكن الأمور سارت بعكس منطقها، وليس من الغرابة أن يحصل ذلك لأنّ التغيير الذي لا يتمّ عبر المؤسسات الديموقراطية وبالوسائل الديموقراطية يصعب عليه لا بل يتعذّر عليه أحياناً أن يؤسّس لتغيير ديموقراطي لاحق.

وعليه،

نطرح التساؤل الآتي الذي يحتاج إلى مبحث آخر: أين نحن اليوم من حركة تحرّر وطني/ قومي شبيهة بتلك التي عرفناها في الخمسينيات والستينيات تنبئ بصعود قيادات ونشوء أحزاب قومية من حجم الوطن العربي وقضاياه وفي رأسها وصلبها قضيّة فلسطين؟

أيّاً كان الجواب إنّ العرب يستطيعون بناء وحدتهم متى توافرت لهم قيادات الوحدة ومؤسساتها الديموقراطية وأفكارها ومناهج تطبيقها. وليس لنا أن نيأس فالوحدة مسيرة متتابعة وإنجاز متواصل. المهمّ أن تبقى إرادة الوحدة أقوى وأصلب من إرادة الاستسلام للحروب علينا والفتن في ما بيننا.

بالرغم من الحروب المستمرّة على سوريا والعراق وليبيا واليمن ومصر ولبنان، وإثارة النزاعات العرقية والسلالية في المغرب العربي الكبير، وبداية تنفيذ مخططات التفتيت والفدرلة والتقسيم، تتحرّك إرادة الوحدة في الوطن العربي عبر خطّ تاريخي/ تراكمي تجسّدها قوى ديموقراطية وحدوية تقرأ بوعي تام نواقص التجارب الوحدوية السابقة لحسن افادة واعتبار، وبعقل وحدوي متفهّم لواقع النظام العربي الرّسمي ومساره الانهزامي، ولواقع المتغيّرات في الوطن العربي التي أحدثتها حركات الإسلام السياسي بتفرّعاتها كافة، وتدعو إلى قراءة إرثنا الوحدوي الذي ليس من حقّنا أو من حقّ أجيالنا اللاّحقة أن تعبث به أو تبدّده باسم ما يعرف في معاجم المنهزمين “الواقعية السياسية”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى