في ذكرى رحيلها.. نازك الملائكة هي رائدة الشعر العربي الحر  

كتب - خالد بيومي

 

تعد الشاعرة العراقية نازك الملائكة «1922- 2007»، والتى تمر هذه الأيام ذكرى وفاتها، «رائدة الشعر الحر» شعر التفعيلة فى عالمنا العربي، والتى ظهرت بوادره فى قصيدتها الشهيرة «الكوليرا» التى نظمتها عام 1947 عقب اجتياح وباء «الكوليرا» الديار المصرية وخلف مئات الضحايا.. تقول فيها:

طلع الفجر

أصغ إلى وقع خطى الماشين

 فى صمت الفجر أصخ،انظر ركب الباكين

عشرة أموات، عشرونا

 لا تحص، أصخ للباكينا

 أسمع صوت الطفل المسكين

 موتى، موتى، ضاع العدد

 موتى، موتى، لم يبق غد

 فى كل مكان جسد يندبه محزون

 لا لحظة إخلاد..لا صمت

 هذا ما فعلت كف الموت

 الموت الموت الموت       

 تشكو البشرية، تشكو ما يرتكب الموت

تخرجت نازك فى «دار المعلمين العالية» عام 1944م، ثم انتقلت إلى دراسة الموسيقى؛ فدرست العود فى معهد الفنون الجميلة وتخرجت منه عام 1949، ثم سافرت إلى الولايات المتحدة ودرست اللاتينية والأدب المقارن عام 1950 فى جامعة برنستون، كما درست الفرنسية والإنكليزية؛ والتحقت عام 1954 بالبعثة العراقية إلى جامعة «وسكونسن» بأمريكا؛ لدراسة الدكتوراه فى الأدب المقارن، ودرست خلال هذا الفترة روائع الأدب العالمي.

وبعد عودتها إلى العراق اشتغلت بالتدريس فى كلية التربية ببغداد عام 1957، ثم تركت «نازك» العراق لتقيم فى بيروت وهناك أخذت بنشر نتاجها الشعرى والنقدي، ثم عادت إلى العراق لتدرس اللغة العربية وآدابها فى جامعة البصرة، ثم انتقلت بعد ذلك إلى الكويت ودرست فى جامعتها، ثم غادرت الكويت عام 1990 على خلفية حرب الخليج الأولى إلى القاهرة، ودخلت فى عزلة شديدة حتى رحل فى صمت بدون ضجيج.

خاضت «نازك» معركة الريادة الأولى مع زملائها فى الدراسة مناظرات فى المقاهي، دون أن تلتقيهم فى المجالس، أو حتى فى دار المعلمين العالية التى درست فيها صحبة السياب والبياتي.

«نازك» المتحررة التى كانت تتعلم العود والتمثيل، وتحاضر فى مواضيع شتى بما فيها الأغانى العراقية، وتدعو الى حرية المرأة وخروجها من البيت، لم تحاول الاحتكاك المباشر بالوسط الثقافي، فقد كانت تتطلع  Nلى السفر إلى الخارج كى ترى العالم الآخر والثقافة الأخرى التى كتبت عنها بعد عقد من عودتها «الأدب والغزو الفكري»، حيث رأت فى الأدب الغربى استهانة بالمجتمع والأخلاق والإيمان بالعبث والاستغراق فى الجنس.

وصدر كتابها الشهير «قضايا الشعر المعاصر» عام 1962، وقالت عنه فى مقدمتها للأعمال الكاملة الصادرة عن المجلس الأعلى للثقافة: «فى كتابى هذا حكمت أن الشعر الحر قد طلع من العراق ومنه زحف إلى أقطار الوطن العربي، ولم أكن يوم أقررت هذا الحكم أدرى أن هناك شعراً حراً قد نظم فى العالم العربى قبل عام 1947 سنة نظمى لقصيدة الكوليرا، ثم فوجئت بأن هناك قصائد حرة معدودة قد ظهرت فى المجلات الأدبية والكتب منذ سنة 1932 وهو أمر عرفته من كتابات الباحثين والمعلقين؛ لأننى لم أقرأ بعد تلك القصائد فى مصادرها، وإذا أسماء غير قليلة ترد فى هذا المجال منها: «على أحمد باكثير، ومحمد فريد أبى حديد، ومحمود حسن إسماعيل، وعرار شاعر الأردن، ولويس عوض وسواهم»، ثم عثرت على قصيدة حرة منشورة قبل قصيدتى وقصيدة «بدر شاكر السياب» للشاعر بديع حقى يقول فيها:

أي نسمة

 حلوة الخفق عليلة

 تمسح الأوراق فى لين ورحمة

 تهرق الرعشة فى طيات نغمة

 وأنا فى الغاب أبكي

ووضعت نازك أربعة شروط لصحة القول ببدايات الشعر الحر وهي:

أولا: أن يكون الشاعر الذى ينظم على هذا النحو واعيا بأنه يستحدث نسقا إيقاعيا جديدا، وأن يثير هذا النسق الجديد انتباه الجمهور إليه.

ثانيا: أن يكون لدعوته صدى واضح لدى المبدعين والنقاد سواء بارفض أو القبول.

ثالثا: أن يقدم الشاعر تجديده مصحوبا بشرح تأسيسى لما أقدم عليه، وأن يدعو الشعراء إلى متابعته فيه.

رابعا: أن تكون هناك استجابة لهذه الدعوة على نطاق واسع فى العالم العربي.

الجدير بالذكر أن شعر «نازك» مجال خصب للدراسة لكشف أبعاده الفنية والنفسية والاجتماعية فهو شعر يمثل مرحلة رائدة فى حركة الشعر الحديث كما يمثل نموذجاً ثقافياً عالى المستوى سواء من خلال الشعر أو التنظير النقدى فى مجال الشعر الحر.

كما تبرز الغنائية التى من السهل ملاحظتها فى شعر نازك لأنها أكثر من العزف على أوتار الذات، إلا أن ذلك لم يمنعها من استخدام أساليب أخرى كالقص والحوار الداخلى والخارجي، كما أن الصورة الفنية هى أكثر الإبداعات التى قدمتها نازك فهذه الصورة ملتصقة بالفكرة إلى درجة التماهى والفكرة والصورة انبثقتا من اللاشعور معا.

قالت عنها مواطنتها الدكتورة فاطمة المحسن: «كانت نازك تتفوق على منافسيها الرجال فى قدرتها على التنقل بين المحاجة العقلية والمعلومة التى تستقيها من بحوث اللغة والتراث والعروض. وهذه القدرة التى تملكها وظفت مرتين، مرة لنصرة الشعر الحديث وأخرى لدحره، والكلمة الأخيرة ترفضها نازك، التى لم تكن فداحة التخلى عن أفكار ثورتها الأولى تعنيها، قدر ما عنتها موجة الهجوم الذى جوبه به كتابها «قضايا الشعر المعاصر».

وإلى اليوم عندما تستعاد التواريخ يهاجم النقاد نازك حول ما كتبته عن «ضرورات» العودة إلى الأصول فهى تعلن فزعها مما لحق حركة الشعر الحر من غثاثة، متكهنة بمصير هذه الحركة.

أعمالها الشعرية: «عاشقة الليل 1947، شظايا ورماد 1949، قرارة الموجة 1957، شجرة القمر 1968، ويغير ألوانه البحر 1970، مأساة الحياة وأغنية للإنسان 1977، الصلاة والثورة 1978.

ومن كتبها النقدية: «قضايا الشعر الحديث 1962، التجزيئية فى المجتمع العربى 1974، سيكولوجية الشعر 1992.

 

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى