في ذكرى النكبة.. المعضلة الفلسطينية بانتظار الحل التاريخي

بقلم: فهد الريماوي

 

 

كما تقف اللقمة في الزور احياناً، تقف الكلمة هذا الاوان في فوهة القلم، وتأبى ان تنسرب الى احضان الورق، نظراً لان الكتابة في الشأن الفلسطيني باتت مؤلمة ومعتمة، وممنوعة من الصرف، وغير ذات جدوى.

واضح، في ذكرى النكبة، ان فلسطين قد استقالت من قضيتها.. فقد وقع الطلاق والافتراق، وتحقق فك الارتباط، بين فلسطين المنكوبة وبين قضية النكبة التي توارثتها ثلاثة اجيال حتى الآن، وتعاقبت على ولاية امرها عدة قيادات وزعامات ومنظمات فشلت – لاسباب ذاتية وموضوعية- في الارتفاع الى مستوى تحديات هذه القضية وتعقيداتها.

فلسطينية فلسطين باتت الآن وديعة في عهدة المستقبل، وامانة في ضمير الغيب واعناق الاجيال القادمة.. انتظاراً لدورة تاريخية جديدة، ومرحلة وطنية وقومية وعالمية مختلفة، وموعد استثنائي مع مستجدات الزمان ومتغيرات القوى والمعادلات، بعد ان تسرطن الزمن الحاضر، وتصهين الواقع الراهن، وسقط الرهان الفلسطيني في المدى المنظور على الحل السياسي والحسم العسكري معاً.

لم تعد فلسطين متوحدة مع قضيتها، بل لم تعد تمت اليها بصلة.. ففلسطين الآن في واد، بينما اصبحت قضيتها في واد آخر، حيث هزلت حتى باتت قيد التصفية، وهانت على اصحابها قبل ان تهون على اعدائها، ولعل من يتابع اخبار خلافات الفصائل، ومناورات الاخوة -الاعداء من القيادات المتنازعة، ان يصاب بالقرف والغثيان، ويقع فريسة الحيرة والاستغراب، وهو يراهم يأكلون لحوم بعضهم بعضاً، فيما يقدمون افدح التنازلات السياسية والايدلوجية للعدو المحتل وحلفائه.

هكذا يحدث دائماً.. فحين تنكسر الحركات والاحزاب والتنظيمات الوطنية والثورية، وتفشل في نيل اهدافها وتحقيق مشاريعها، ترتد الى داخلها، وتعيد ترتيب اولوياتها, وتنشغل بخلافاتها ومهاتراتها, وتقدّم عصبويتها التنظيمية على روحها النضالية, وتعجز عن مواكبة المرحلة التاريخية المحدقة بها والتي سرعان ما تتخطى هذه الحركات والجماعات، وتترك لها ان تستهلك ذاتها وتطفئ محركاتها وتموت على مهل.

تدهور الاوضاع العربية، وتهافت القيادات الفلسطينية، وتصاعد النزعات العنصرية الاوروبية والامريكية، اتاحت المجال لتغول الاطماع الصهيونية، وكشفت الدفين والمخبوء من الخرائط والمخططات الاستيطانية والتوسعية، وضربت عرض الحائط بآخر دواعي الحذر والمراوغة والمماطلة التي كانت تتسم بها السياسات الاسرائيلية في السنين الغابرة.

اللعب الآن على المكشوف، والنقاط كلها فوق الحروف، والمشاريع والمخططات الصهيونية ماثلة للعيان وموضوعة برسم التحقيق والتنفيذ، وليس هناك من قوة سياسية او عسكرية.. عربية او اجنبية، قادرة على – او راغبة في- وقف الليكود الصهيوني عند حده، وردعه عن اقامة دولة يهودية نافذة ومتطرفة ومتحالفة سراً وعلانية مع ”دزينة” من الدول والدويلات العربية والاسلامية الخائبة والخاسئة والمتحولة جنسياً وسياسياً من العداء لاسرائيل الى العداء لايران وحزب الله قاهر اسرائيل.

خلا لكِ الجوُ فبيضي واصفري             ونقّري ما شئتِ ان تنقّري

غير ان دوام حال من المحال، واستمرار هذا الوضع المختل بشدة لصالح العدو الاسرائيلي غير قابل للثبات والاستمرار على المدى البعيد.. فلا الامة العربية ستبقى على هوانها الراهن، ولا العدو الاسرائيلي سيبقى على طغيانه الحاضر والمعاصر.. هذا هو منطق التاريخ وناموس دوراته المتعاقبة وحركته الدائبة التي لا تلحقها ”علامة السكون”، ولا تسبقها ”سين التسويف”.

دفاتر التاريخ حافلة، منذ ما قبل الميلاد، بسير وحكايا الامبراطوريات الغاشمة التي سادت ثم بادت، وكانت تحمل بذور فنائها في احشائها، وشكلت اطماعها التوسعية ونزعاتها العنصرية والعدوانية اهم وابرز اسباب انهزامها لدى اول اصطدام مع اصغر اعدائها، وربما من دون اية صدامات معادية، شأن ما حدث للاتحاد السوفياتي على يد رئيسه غورباتشوف، وما سيحدث – باذن الله- للولايات المتحدة قريباً على يد الرئيس العابر للاساطير، دونالد آل ترامب.

حين انهار الاتحاد السوفياتي كان مدججاً بالسلاح حتى الاسنان، ومتوفراً على آلة عسكرية قادرة على تدمير الكرة الارضية، فالعسكرة وحدها لا تكفي لصون الدول ومنحها شرط البقاء والصمود والتمدد، بدءاً من الحالة الاسبرطية عند فجر التاريخ، وليس انتهاءً بالامبراطورية البريطانية التي سجلت انتصاراً مدوياً على النازية في الحرب العالمية الثانية، ولكنها ما لبثت ان تفككت وتهاوت وغربت عنها الشمس، وسيطرت عليها عفاريت النحس.

لا جدال ان اضعف واسخف واهزل الغزوات الاجنبية للديار العربية والاسلامية، هي الغزوة الصهيونية الحالية، اذ اين هي من طوفان الغزوات التتارية والمغولية والصليبية والعثمانية والانجلو- فرنسية ؟؟ واين هي من جبروت الهيمنة الامريكية وتسلطها الامبريالي القاهر والمباشر على نبض الحياة العربية ؟؟

قد لا تكون اسرائيل اوهى من بيت العنكبوت، ولكنها في موازين القدرة الاستراتيجية ليست نديداً للامة العربية، مهما توهمت خلاف ذلك، ومهما حالفتها الظروف ودعمتها امريكا واوروبا لكي تتجاوز محدودية وزنها وحجمها وحقيقتها، ومهما طال بامة العرب امد الفرقة والبؤس والاذعان والضرب على غير هدى.. فقد سبق لهذه الامة ان مرت باحوال واوضاع اشد قسوة وهولاً وبؤساً من الظرف الراهن، ولكنها ما بادت ولا انقرضت ولا خرجت من تضاريس الجغرافيا والتاريخ.

صدقوني ان هذه الاسرائيل تحارب نفسها، وتقامر بوجودها، وتعجل بسقوطها، وتدفع عامل الزمن للافتراق عنها والانحياز لاعدائها.. ذلك لان ادامة العسكرة، وشراهة المطامع الاستيطانية، وغلو التطرف العنصري، وثقافة الغيتو والثكنة والقوقعة والاغتراب عن المحيط، سوف تثقل كاهل هذه الدولة الشيطانية، وتحمّلها فوق طاقتها، وتضعف قوتها ومناعتها وقدرتها على مواصلة الحياة.

في الصدامات التناحرية والمنازلات المفصلية والمصيرية المطولة، لا بديل عن طول النفس، وقوة الصبر والصمود، وعمق الايمان بالقضية، والحرص على آلية التوريث والتتابع، والمثابرة على رصد المتغيرات واقتناص اللحظات المواتية، والرهان على حتمية الحل التاريخي في نهاية المطاف.. والعاقبة ابداً لملح الارض من حراس الحق الخالد وسدنة الذاكرة الوطنية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى