مقدمات في فهم المواطنة

«الحق في ألّا تُقتل» ربما هذا ما تعنيه المواطنة في أكثر تعريفاتها اختزالاً في زمننا هذا. في العصر الذي ظهر فيه هذا المصطلح في المدائن الإغريقية لم يكن الخوف من الموت هاجساً بقدر ما كان الخوف من أن تسبى وتصير عبدًا. لهذا كانت المواطنة تعني بالأساس أن تكون حرًا.

كانت المواطنة حينها حاجزًا ضد الفرد والسلطة أو استبداد السلطة، مما عنى أن يشارك كل فرد في ممارسة هذه السلطة، أن يكون حاكمًا ومحكومًا في آن. لهذا كانت المدائن الإغريقية تتبع سياسة تدوير المكاتب. لكن هذا التعريف للمواطنة كان إقصائيًا بطبيعة الحال، فقد قصر المواطنة على من يستطيع ممارسة الحكم فعليًا أي الرجال الأحرار . مما يعني حرمان النساء والعبيد من المظلة التي يشملها هذا المفهوم.

على كل حال فإن مفهوم المواطنة الإغريقي كان مفهومًا سياسيًا يعني أن يشارك المواطن في المجال العام ويساهم في اتخاذ القرارات والإجراءات وتشريع القوانين وحتى المساهمة في تحديد مفاهيم الحقوق السياسية والاجتماعية والاقتصادية والمشاركة في الدفاع المشترك عن المدينة والوطن.

من مجتمع الإخوة إلى الرعية

على أن هذا المفهوم لم يحمِ اليونانيين من غزو الرومان الذين عنت لهم المواطنة شكلا قانونيًا مختلفًا. لم تكن المواطنة الرومانية تعني الأحقية في المشاركة في الحكم؛ فامتداد الإمبراطورية الكبير، وتنوعها العرقي والثقافي وقف حاجزًا ضد هكذا مفهوم. كانت المواطنة تعني إذًا لدى الرومان التمتع بحماية القانون على حياتك وممتلكاتك مادامت ضمن النطاق الذي يحدده هذا القانون، ويشرعه المركز الإمبراطوري، والذي كان في حد ذاته قريبًا من النموذج الإغريقي. أي أن المواطنة في العصر الروماني كانت مختلفة الدرجات، وشملت مظلات مختلفة على حسب قرب المواطن من المركز الإمبراطوري وبعده عنه.

في العصور الوسطى الأوروبية انتقل مفهوم المواطنة بصيغته الرومانية من المركز إلى الأطراف، وأصبحت المدن التجارية الغنية يتمتع مواطنوها بحقوق سياسية واجتماعية واقتصادية كالتي تمتّع بها الإغريق مقابل سكان المركز الذين خضعوا لحكم النبلاء والكنيسة الأرثوذكسية المطلق، بمعنى تحوّل «المواطنين» إلى خاضعين للسلطات المختلفة كأدوات اقتصادية قادرة على الإنتاج الزراعي ودفع الضرائب.

في مقابل الزمن الأوروبي نجد متوالية مماثلة لتحوّل المصطلح في المشرق الإسلامي. بداية من دولة المدينة التي برزت فيها المواطنة مفهومًا قريبًا من المفهوم الإغريقي تم تأسيسه على عمودين؛ الأول المؤاخاة -مقابل الصداقة اليونانية- المتجاوزة لأي اعتبارات قبلية أو جهوية وشعارها «أمركم شورى بينكم»، ثم المعاهدات التي أبرمها النبي صلى الله عليه وسلم مع من هم خارج جماعة المؤمنين، والتي تنصُّ على التعايش والدفاع المشترك، كما تجلى في «وثيقة المدينة».

من دولة المدينة إلى دولة الإسلام وتحت ضغط المتطلبات الجديدة للفتوحات العسكرية تحول مفهوم «الأخوة» الذي بني عليه مفهوم المواطنة المديني إلى مفهوم «الرعية»، وتحولت بالتبعية مظلة الحقوق من مظلة «شورية» سياسية يشارك فيها الإخوة المؤمنون إلى مظلة «شريعية» قانونية يكون الأمر فيها لأهل الحل والعقد.

مفهوم أهل الحل والعقد الإشكالي في حد ذاته، والذي تشكّل بالأساس من توتر ومنافسة بين فقهاء الشريعة والعصبية القبلية بالمفهوم الخلدوني ربما، كان ضمانًا ضد تغوّل السلطة  وتجاوزها لحزمة أساسية من الحقوق السياسية والاقتصادية والقانونية للرعية، إلا أن التمييز بين الفرد المسلم والذمي لم يكن بالأساس انتقاصًا من الحقوق الاقتصادية والقانونية للذمي، إنما كان إغلاقًا للمجال السياسي أمامه وحفاظًا على وحدة واتساق أهل الحل والعقد ولم يعنِ هذا استبعاد المخالف دينياً من مناصب الاستشارة والمراكز التي تتطلب كفاءات إدارية وتقنية.

صراع الليبرالية والجمهورية

لمفهوم المواطنة إذًا بنية ثنائية متغيرة الحدود، تمتلئ هذه البنية بأشكال نظرية وتطبيقية مختلفة بحسب السياق الزماني والمكاني والاجتماعي التي يتم إنزالها فيه. هذه البنية الثنائية تعبرّ عن التساؤل المستمر والدائم عن الفاعلية الإنسانية: هل تعني المواطنة مشاركة حتمية للمواطن في المجال السياسي؟ أم تعني خضوعه لمنظومة معينة من الحقوق والحريات القانونية؟

لكلا وجهتي النظر إرث فلسفي طويل ينطلِق كل فريق من رؤيته للإنسان نفسه هل هو كائن اقتصادي يسعى لتلبية حاجاته ومطالبه الاقتصادية، وهو ما تعبر عنه وجهة النظر الليبرالية لمفهوم المواطنة، ويأتي على رأس هذا التيار الفيلسوف الإنجليزي الشهير توماس هوبز. في المقابل هناك فريق آخر يؤمن بأن الفعالية السياسية هي التي تحقق للإنسان مناط المواطنة وهي وجهة النظر الجمهورية للمفهوم والتي يتبناها فريق كبير من الفلاسفة ابتداء بأرسطو وليس انتهاء بجان جاك روسو.

يقسم توماس هوبز التاريخ الإنساني إلى مرحلتين؛ التوحش السابق للمدنية، ومرحلة المدنية التي تنبع من العقد الاجتماعي بين الأفراد المتكافئين والمتساوين. في مرحلة التوحش يعاني الاجتماع الإنساني من حرب الجميع ضد الجميع بينما في مرحلة المدنية وانطلاقًا من إدراك الأفراد لمصالحهم الذاتية إدراكًا كاملًا وعقلانيًا يتنازلُ كلٌّ منهم عن جزء من حريته للانصياع لقانون واحدٍ يضمنُ لهم حرية الملكية الفردية وتحقيق هذه المصالح. هذا القانون تمثّله بالنسبة لهوبز الدولة الوحش «اللفياثان» التي تحتكر هي وحدها حق استعمال العنف وتنظيم شئون المجتمع.

لم يكن هوبز يرى مانعًا من تأييد الحكم الديكتاتوري للملك مادام يحقق هذه الغاية لكن الإرث الليبرالي اتجه من بعده باتجاه الديمقراطية التمثيلية التي يقوم فيها الأفراد بانتخاب ممثلين لهم في جسد السلطة في أوقات زمنية معينة بينما ينشغلون هم بإدارة مصالحهم الذاتية الاقتصادية. لم يعد للحكومة إذن أهداف سوى ضمان عدم تجاوز أحد الأفراد على حقوق الآخرين، وذلك باحتكارها للعنف وتطبيق القانون وكذلك حماية المجتمع من أي عدو خارجي.

في المقابل يرى الفريق الجمهوري أن انغماس المواطن في العمل السياسي ومشاركته الفاعلة فيها ضروريان للحفاظ على حريته ولتحقيق ذاته كمخلوق حر قادر على ممارسة السلطة والانصياع لها في نفس الوقت. عارض هذا الفريق بقيادة روسو الانتخابات التمثيلية ورأوا ضرورة المشاركة المباشرة من الجمهور في صناعة القوانين واتخاذ القرارات لأنه بالنسبة لروسو فإن الحرية تعني الانصياع الحر للقانون وهذا الانصياع لا يكون حرًا إلا حين يشارك الإنسان في صناعة وتشريع هذا القانون مشاركة مباشرة.

في المقابل يرى التيار الليبرالي أن النموذج الجمهوري غير عملي في ظل المهام الواسعة وشديدة التعقيد التي تؤديها الدولة الحديثة، ولهذا فإن السلبية السياسية والانتخابات التمثيلية ضرورة يفرضها واقع الدولة الحديثة. لا يرى الجمهوريون مهربًا من هذا الإشكال إلا ربما عبر استبدال البرلمان بالزعيم السياسي الذي يعبر عن روح الشعب كما عند كارل شميت أو الدولة الشمولية كما عند هيجل الذي لا يرى وجوداً للحقوق الإنسانية خارج التوافق المجتمعي، ولا يؤمن بوجود الإنسان بصيغته المجردة على الطريقة الليبرالية خارج المجتمع، ولهذا فإن الدولة البيروقراطية الكفء هي الغاية النهائية للتاريخ والممثل الوحيد لروح الشعب.

إشكال الماهية والتساؤل عن الحد

الانغماس في هذه الثنائية يفوت علينا طرح تساؤل آخر، وهو الحدود التي يفرضها مصطلح المواطنة؟ إن كان هناك مواطنون فهناك أيضًا من هم ليسوا كذلك ولا تشملهم مظلة الحقوق والحريات التي توفرها المواطنة. يحيلنا هذا التساؤل إلى الأفق الذي فعَلت فيه المواطنة في العصر الحديث فعلها، وهو أفق ثلاثي الأضلع، أول أضلعه «الأمة» باعتبارها سيرورة من التشكّل الثقافي والاجتماعي واللغوي والاقتصادي وأفقاً للتخيل المشترك والتعاطف ووحدة المصير. تنتج هذه «الأمة» مؤسسات تعبر عن هذه السيرورة، وهي «الدولة» ذات السيادة، وأخيرا تمارس هذه الدولة سيادتها ضمن حدود جغرافية تفرق بينها وبين الأمم الأخرى.

سيرورة التشكل من الأمة إلى الدولة والسيادة الجغرافية لم تتم بسلاسة؛ إنما دفع ثمنها ملايين اللاجئين الذين فقدوا أوطانهم تحت ضغط تشكل الأمم الجديدة في تركيا وروسيا وشرق أوروبا والشرق الأوسط وأمريكا الجنوبية بعد وأثناء الحرب العالمية الأولى، ثم بعد ذلك ملايين القتلى في الحرب العالمية الثانية الذين مورس ضدهم التمييز العرقي والثقافي وتم تجريدهم من حقوقهم كمواطنين وكبشر.

يرى الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو أن المهمة التفاضلية لمفهوم المواطنة كانت حيوية جداً بالنسبة للدولة الحديثة حتى تستطيع تعيين الحدود الدقيقة بين من يجوز قتله ومن تجب رعايته. يسمى فوكو هذا التفريق بــــ «البايو بوليتيك» أو «السياسة الحيوية»، حيث يرى أن مفهوم المواطنة تشكَّلَ على أساس التفرقة العرقية «البيولوجية» بالأساس ثم ما لبث أن تحول إلى التفرقة العرقية «الثقافية».

لكن ويلات الحرب العالمية الثانية وما تسببت به من دماء وتشريد وفقر أجبر المفكرين على التساؤل عن حدود هذه المواطنة قبل التساؤل عن ماهيتها. في هذا الإطار يقول الفيلسوف الإيطالي جورجو أغامبين أنه في عالم «الدولة الأمة» لم يعد هناك وجود للإنسان المجرد الذي تنبع حقوقه من كونه إنساناً بل هو يولد وتولد معه مواطنته فإن لم يكن مواطنًا لهذه الدولة فهو بالتأكيد مواطن لدولة أخرى، لذلك يطرح اللاجئون  من الحروب أو المهاجرون غير الشرعيين إشكالًا جوهريًا ووجوديًا في قلب النظام العالمي.

ترى الفيلسوفة الألمانية حنة أرندت التي عانت بشكّل شخصي من ويلات التفرقة العنصرية واللجوء أن المواطنة يجب عليها تجاوز مسألة الأمة والهوية الجمعية. بحسب أرندت فإن الهوية الجمعية الباعثة على التعاطف والدالة على المصير المشترك يجب ألا يتم استجلابها تخيلاً من الماضي على أساسات عرقية ودينية وثقافية، إنما تتحدد في اللحظة التي يتخذ فيها المواطنون قرارات سياسية ناتجة عن نقاش سياسي جماعي ضمن المجال العام. من هذا المنظور فإن الإنسان مواطن بقدر مشاركته في النقاشات العامة ضمن المجال العام الذي هو بالأساس مصطنع أي ناتج عن فعل بشري لا يسع إلا الأفعال البشرية.

ولتجاوز العقبات التي يطرحها النموذجان الليبرالي والجمهوري تقترح أرندت نظامًا من المجالس الفيدرالية، يقرّر فيها المواطنون بأنفسهم شئونهم السياسية مما يضمن الفعالية والحضور الإنساني في المجال العام. وهي الطريقة الوحيدة من وجهة نظرها لضمان عدم الانغلاق في تعريفات قومية وعرقية وثقافية لمفهوم المواطنة تمثّل نفسها عبر زعيم ملهم، أو دولة شمولية، وكذلك عدم اختطاف نخبة من الفاعلين السياسيين الذين يتم انتخابهم تمثيليا للفاعلية الإنسانية في المجال العام.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى