كانوا.. هناك

لم يبقَ أحد.. هناك. ربما خمسة، ربما عشرة.. ربما، كانوا أحياء، أبادوهم عن بكرة أبيهم، هذا إذا كانت هذه ” البكرة ” تتسع لكل آلام البشرية. وبقي القليل ليرووا ما حدث.

كانت الساعة الرابعة والنصف من فجر يوم الثلاثاء13/2/1991  وكانت الأم تضم تحت جناحيها أطفالها، ينعمون في حضنها بالأمان والطمأنينة، وتلك الأم وقد بكى طفلها الرضيع، فألقمته ثديها وهي نصف نائمة. وهناك من صحا لصلاة الفجر. كان السكون يغمر الأفئدة. حين فتحت أبواب جهنم لتصب نارها على ملجأ العامرية في حيّ العامرية ببغداد العروبة.

أمريكا المسؤول الأول عن كل جرائم البشرية، كانت تدرك أنه ملجأ يضم المئات من العراقيين وغيرهم من العرب، هربا من نار أمريكا التي قامت مع حلفائها بالحرب على العراق في السابع عشر من كانون الثاني عام 1991 بقيادة الأب(الحنون) بوش، فقتلت ودمرت وأحرقت المدنيين والعسكريين، ودفنت الكثيرين منها أحياء في الصحراء. ولم يشفِ غليلها كل هذا الإجرام. كان حقدها على العراق كبيرا، لم يطفئه حتى إحراق الملجأ، وفرضت الحصار على العراق مدة ثلاثة عشر عاما، جاع فيها العراقيون، واستشهد ما يقارب المليون ونصف طفل جراء انعدام الأدوية. يا للعراق كم كان عظيما أبياً.

الذاكرة تطفح بهذه الجريمة الأليمة، فكيف يمكن أن نمحو هذه الذكرى الحية من كياننا؟ نكتب ونستعيدها لكي تبقى حية في ذاكرة الأجيال العربية ليعرفوا حقيقة سياسة أمريكا المجرمة تجاه العرب والمسلمين، والتي حفل تاريخها البشع، هي وحلفاؤها، بكل أنواع القتل ضد الإنسانية، لتبقى سيدة العالم وتحقق ما تريده من نهب ثروات الشعوب واستعبادها.

ادعت أمريكا بأن الملجأ كان قاعدة عسكرية، وهذا الادعاء باطل، فعلى سطح الملجأ وجدت علامات واضحة ممكن رؤيتها بالعين المجردة ذات حجم كبير جدا، لكي لا تخطئها طائرات العدو فتقصف المدنيين حسب القوانين الدولية!!

عن أية قوانين يتحدثون، هل السياسة الأمريكية تعرف معنى القوانين الدولية؟ ثم اعترفت لاحقا بأنها معلومات استخبارية خاطئة. ففي مثل هذا اليوم الأليم، قصفت طائرتان مزودتان بقنابل حارقة موجهة بأشعة الليزر، كل واحدة تزن ألفي رطل، لتصل إلى ملجأ العامرية وتطلق عليه صاروخين من خلال فتحة التهوية الخاصة بالملجأ. الأول أحدث فتحة في الجدار ليمر من خلالها الصاروخ الثاني الذي أحدث ضغطا في داخل الملجأ أغلقت على أثره الأبواب والمخارج، فلا استطاع المحتمون به أن يهربوا ولا أن يتلقوا مساعدات من الخارج.

استشهد في هذه المحرقة ما يقارب ال 400 إنسان، من لحم ودم، نساء وأطفالا ومسنين، وهم محروقون بالكامل، وبقايا جثث علقت بجدران الملجأ، وغيرهم ممن أذابتهم الحرارة العالية فتحولوا إلى ذرات هباء. أجساد بريئة تحترق وتذوب، ولا من معين

يا لإجرام أمريكا، وحلفائها، وإخوة يوسف، الذين عاثوا في العراق وفلسطين واليمن وسورية وليبيا والعالم أجمع، فسادا وقتلا ودمارا للحضارات، ونهبا لكل ما استطاعوا إليه الوصول. وما يزالون يواصلون الدمار عن طريق أدواتهم في المنطقة العربية وفي العالم.

شهداء الأمة في ازدياد، فلا تنسوا ما حدث في العامرية الشموخ، لا تنسوا السنوات العجاف التي مرّ بها الشعب العراقي من حصار وجوع وتشريد، لا تنسوا.. لا تنسوا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى