لماذا لا يحاول الاردن ان يلعب دور الوسيط بين السعودية وايران ؟

انشغلت صالونات عمان السياسية والعديد من القوى والتيارات الشعبية والحزبية المختلفة في قراءة الموقف الرسمي الاردني من الخلاف السعودي- الايراني الذي فجره اعدام المعارض السعودي الشيعي نمر النمر ضمن وجبة اعدام وضعت حداً لحياة 46 سنياً بتهم تحوم كلها حول الارهاب، وما تبع ذلك من ردود فعل ايرانية ابرزها الاعتداء على المقرات الدبلوماسية السعودية في مدينتي طهران ومشهد.
لا شك ان رد الفعل الايراني على اعدام النمر- وهو مواطن سعودي- كان ساخناً وحاداً واستفزازياً، وهو ما اثار حفيظة الرياض، فردت بتحشيد خليجي وعربي، وصل حد قطع العلاقات الدبلوماسية من طرفها، ومعها البحرين، والسودان، والصومال، وجزر القمر، فيما تراوحت المواقف العربية الاخرى ما بين تخفيض التمثيل الدبلوماسي او استدعاء السفير، او اصدار بيانات الشجب والاستنكار.
هذا الموقف السعودي هيأ للبعض ان البلدين ذاهبان الى حد الاصطدام العسكري، وهو ما تم وأده في مهده، حيث استبعده ولي ولي العهد السعودي الامير محمد بن سلمان صراحة ، ووزير الخارجية الايراني جواد ظريف، ما وضع حداً لتحريض وتهيؤات اصحاب الرؤوس الحامية والغارقين في مستنقع الطائفية والمذهبية حتى انوفهم.
ولان الاعتداء على مكاتب البعثة الدبلوماسية السعودية شهد شجباً دولياً ورفضاً واصطفافاً عربياً، فقد سارعت العديد من الاطراف في طهران الى انتقاد ما حصل والاعتذار عنه، كما سارعت البعثة الايرانية في نيويورك الى التعبير عن اسفها لما حصل، وسعت جاهدة في تخليص المستوى الرسمي والحكومي من اوزاره.
وفي محاولة ايرانية للتبريد بدل التصعيد، فقد اعلن حسن أميري، المتحدث باسم وزارة الداخلية عن اقالة مساعد محافظ العاصمة طهران للشؤون الامنية، ويدعى صفر علي براتلو من منصبه على خلفية مهاجمة السفارة، علاوة على اعتقال ستين شخصاً للتحقيق معهم بشأن ما حدث.
ونقلت وكالة ”فارس” الايرانية عن ذلك المتحدث الامني قوله ان مهاجمة السفارة السعودية في طهران والقنصلية في مشهد عمل مدان، مبيناً ”ان الحادث كان متوقعاً الى حد كبير، وكان على قوى الامن الداخلي والاجهزة الامنية اتخاذ التدابير اللازمة للحيلولة دون وقوعه”.
الموقف الاردني حيال الخلاف المذكور تدرّج ضمن اربع خطوات، بدأت باصدار بيان يندد بالاعتداء على المقار الدبلوماسية في طهران ومشهد، والتدخل في الشؤون الداخلية، ثم تم استدعاء السفير الايراني في عمان للتأكيد على ادانة الاردن الشديدة ورفضه المطلق لمبدأ الاعتداء والتعرض للبعثات الدبلوماسية، ما يشكل انتهاكاً سافراً للاعراف والاتفاقات الدولية، وتحديداً اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية، وايضاً التأكيد على موقف الاردن بادانة التدخل الايراني في الشؤون الداخلية للدول العربية، وايضاً دعم الاردن لجهود الحكومة السعودية في محاربة الارهاب والتطرف، ورفض التصريحات التي صدرت عن مسؤولين ايرانيين، كونها تعد تدخلاً في الشأن الداخلي السعودي، وضرورة احترام الاحكام الصادرة عن المؤسسات القضائية السعودية، التي تمثل شأناً داخلياً صرفاً.
تلا ذلك اتصال هاتفي اجراه الملك عبدالله الثاني مع الملك سلمان أبلغه فيه موقف الاردن المؤيد للسعودية ودعمه المطلق لها، ثم جاءت زيارة ناصر جودة وزير الخارجية الى الرياض حيث التقى عادل الجبير وزير الخارجية السعودي، وكانت الغاية منها تأكيد التضامن مع السعوديين في كل الاحوال والظروف، وكذلك من اجل التنسيق المستمر بين البلدين، ولهذا تمت قبيل انعقاد الاجتماع الوزاري لدول الخليج العربي بساعات، وسبقت انعقاد اجتماع وزراء الخارجية العرب في القاهرة الذي اعتذر جوده عن حضوره بسبب ارتباطات سابقة تتعلق بزيارة الملك الى الولايات المتحدة، لذلك كان السؤال : هل كانت زيارة جودة للرياض اعتذاراً مسبقاً وتعويضاً عن عدم حضوره مؤتمر القاهرة، خاصة وان الاردن قد اعلن دعمه للرياض عبر الخطوات آنفة الذكر ؟؟
الصالونات التي تداولت الموقف الاردني، وتوقفت عند بعض الطروحات المتشنجة ضد ايران، خلصت الى ان الاردن لن يغامر بالتشدّد ضد ايران، لانه حريص على ابقاء شعرة معاوية بينه وبينها، خاصة وان عمان تدرك جيداً معنى ان طهران لم تعد معزولة دولياً بعد توقيع الاتفاق النووي، وانها تقرأ جيداً معنى ان طهران لم تعد معزولة دولياً بعد توقيع الاتفاق النووي، وانها تقرأ جيداً لغة المصالح والغزل التي رافقت التنديد الامريكي- الاوروبي الخجول، علاوة على الموقف الذي صدر عن اجتماع وزراء خارجية دول التعاون الخليجي، والذي ”أغفل” – بترتيب واتفاق مقصود- نصاً مباشراً كان سيطال الدول الاعضاء في المجلس الغاء وتجميد جميع الاتفاقيات الموقعة بين دول الخليج وايران، وذلك مراعاة للاتفاقيات والبروتوكولات الموقعة مع طهران من قبل المنامة ومسقط كل على انفراد، وقبل ذلك المواقف المتباينة الشدة التي اتخذتها الدول الخليجية وغيرها من الدول العربية والاسلامية.
وتوقع المراقبون ان يكون عدم التصعيد الاردني ضد ايران مرده – ربما- رغبة الدبلوماسية الاردنية في القيام بدور الوسيط بين طرفي الخلاف في الرياض وطهران، وهذا الدور من المتوقع ان تبدأ ملامحه في الظهور في مرحلة لاحقة، بتشجيع ضمني امريكي واوروبي.
في هذا الصدد قالت تقارير صحفية ان عمان عندما قررت المضي قدماً في تحالفها مع الرياض، فعلت ذلك بعدما ضمنت باباً خلفياً تعبر منه العلاقات الجيدة التي باتت تربطها مع طهران، مشيرة الى ان الدبلوماسية الاردنية، راوغت وتريثت، في تعاملها مع التصعيد السعودي- الايراني، بانتظار ما بدا انه بعض التسويات والتفاهمات التي تجري في الأفنية الخلفية، والتي جاءت زيارة الامير خالد بن الوليد بن طلال في سياقها بقصد المضي قدماً بالعلاقات التجارية والاستثمارية الموعودة من جانب السعوديين، من منطلق ان الخصومات التي تكلف الاردن ثمناً غالياً باتت تتطلب بعض التسويات.
ويرى المراقبون ان النتائج الاستثمارية التي اوشكت ان تتمخض عنها زيارة المستثمر السعودي هي التي اشعلت الضوء الاخضر لوزارة الخارجية للانطلاق في الاجراءات التصعيدية مع ايران، والتي بضمنها استدعاء السفير وتحميله رسالة استنكار لما حدث.
وقالوا ان الدبلوماسية الاردنية فيما يخص ايران توازن ما بين الانفتاح والانغلاق، وغاية هذا التوازن مراعاة الموقف الداخلي الذي يحوي جزءاً من التحفز والتوجس من اي انفتاح على طهران، والموقف الخارجي المتمثل بالتحالف مع السعودية ودول الخليج العربي.
في هذا السياق لاحظ المراقبون ان اي تقارب اردني مع طهران يتلوه دائماً تصعيد من الجانب السعودي وارتباك اردني، مؤكدين ان عمان اليوم تحرص على الاحتفاظ بدور القادر على محاورة كل المتنازعين، وبالتالي الاحتفاظ بدور الوسيط واللاعب التنسيقي لاي جهود في المنطقة، وخاصة في القضايا المتعلقة بالارهاب والتطرف الطائفي والمذهبي.
وبعيداً عن امكانية التوسط بين طرفي الخلاف، او القيام بدور اللاعب المنسق، جزم المراقبون ان السعودية لن تضغط على الاردن ليتخذ اجراءات اكثر تشدداً حيال طهران، وان زيارة الوزير جودة قد جاءت ضمن بعض جوانبها في هذا السياق، كما سلطوا الضوء على جزئية من الاسباب التي تلزم الدبلوماسية بأخذ مصالح الاردن وظروفه كافة بعين الاعتبار عند اتخاذ قرارات اكثر تشدداً وتصعيداً، مبينين ان الاردن يعرف اكثر من غيره الواقع الذي يحيط به، فالاوضاع الميدانية على الحدود مع سوريا ليست مستقرة، بل قابلة للانفجار في اية لحظة، خاصة وان الجيش السوري وحزب الله يحرزان تقدماً واضحاً في القرى المتاخمة لمدينة درعا الحدودية، علاوة على ان التدخل العسكري الروسي نسف استقرار الاوضاع في المناطق الجنوبية، وكل هذا وغيره من الاوضاع المتغيرة في تلك المناطق يتطلب من الاردن ان يبقي ابواب التواصل مع ايران مفتوحة، باعتبار ان ذلك اكثر جدوى وفاعلية من التصعيد وقطع العلاقات معها.
وتساءل المراقبون قائلين : ما الذي يدفع عمان لتضع كل اوراقها في السلة الخليجية هذا الأوان، ولماذا لا تنوع خياراتها الدبلوماسية بما يؤمن مصالحها سياسياً واقتصادياً، وامنياً وهو الاكثر اهمية ؟
وذهبوا الى القول استتباعاً لتساؤلهم الآنف، ان النظام الايراني لم يصعّد الخلاف مع الاردن، ولم يهدد نظامه يوماً، رغم وقوف الاردن القوي الى جانب عراق صدام في حرب الثمانية اعوام، ورغم مواقفه الاخرى التي تتباين مع السياسة الايرانية والتي تنظر اليها طهران بعدم رضى، وان ذلك النظام يعلم جيداً ان الاردن بحكم تركيبته السكانية وموقعه الجغرافي والديني هو رقم من الصعب تجاهله، او العبث في معادلته على كافة الصعد.
هذا كلام لا يعني بحال من الاحوال ان عمان وطهران قد رتقتا شقة الخلافات، او ان السمن والعسل يجري ودياناً بينهما، فالتنافر هو سيد الموقف، وهناك خلاف عميق بينهما حيال معظم قضايا المنطقة وازماتها المفتوحة، ففي لبنان – على سبيل المثال – تقف طهران بقوة وثبات خلف حزب الله وتحالف الثامن من آذار، فيما يحتفظ الاردن بعلاقات وثيقة مع تحالف 41 آذار بكافة مكوناته، وفي فلسطين يقف الاردن خلف السلطة والرئاسة وخيار المفاوضات، فيما تدعم ايران حركتي حماس والجهاد الاسلامي، وتقف بقوة مع خيار المقاومة، ومثلما تتبنى ايران بقوة مسؤولية الدفاع عن المعارضة البحرينية ذات الغالبية الشيعية، وتصر على ملكية جزر الامارات الثلاث، فان الاردن يؤيد مطالبة دولة الامارات بهذه الجزر المتنازع عليها، كما يؤيد الدعوات الخليجية التقليدية الى ايران لوقف تدخلاتها في الشؤون الداخلية لبعض الدول العربية، كما يدعم بقوة النظام السياسي في البحرين، ولا يخفي مخاوفه مما يعتبرها سياسات تدخلية لايران تجمع بين المقاربة الامنية والمذهبية في تعاملها مع دول المحيط العربي والاسلامي القريبة والبعيدة، ما يجعل العلاقات الاردنية-الايرانية على الدوام ادفأ قليلاً من ان تكون باردة، واقل كثيراً من ان تكون حارة.
ورغم هذا الخلاف والتدابر، فان ايران تعمد على الدوام الى عرض افكار ومقترحات من شأنها تطوير العلاقات بين البلدين، وتعزيز العلاقات الثنائية في شتى المجالات، من الطاقة الى السياحة، الى التجارة البينية، لكن الاردن ظل وما يزال يتعامل مع هذه العروض بحذر، تحسباً لما يمكن ان يختبئ وراءها من اطماع وتطلعات، وخشية من الارتدادات السلبية التي يمكن ان تترتب على علاقاته مع حلفائه العرب والاجانب على حد سواء.
خلاصة القول، لا بد ان تسعى جميع الاطراف الى تطويق هذه الخلافات وحلها وفقاً لمبدأ احترام السيادة، والحرية الدينية والمذهبية، ومعالجة الجيوب والاختراقات داخل الدولة الوطنية عن طريق الفصل التام بين الولاء المذهبي والولاء السياسي بشكل لا يقبل أنصاف الحلول !!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى