الحرب على الإرهاب .. الطريق الأقصر للحل السياسي

 

أسفر اجتماع فينا بشأن سورية المنعقد يوم الجمعة الموافق 30 تشرين أول بحضور 17 دولة ومنظمة الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي .. عن نتائج مهمة قررتها موازين القوى الجديدة على الأرض السورية بعد حرب روسيا الاتحادية على الإرهاب الذي فرضته 5 عوامل رئيسة.

أول هذه العوامل صمود سورية في وجه الإرهاب؛ الأمر الذي يجعل  الحرب عليه في سورية مجدية ، وثانيا مطالبة الحكومة السورية الشرعية من روسيا ؛ المشاركة في الحرب على الإرهاب ، وثالثها فشل التحالف الأمريكي ( إن أحسنا الظن ) في حربه على الإرهاب بعد 13 شهراً من إعلان (الحرب) عليه، ورابعها أن الحرب على الإرهاب استند الى قرار اتخذه مجلس الأمن ، وخامسها ، انجاز الاتفاق النووي الإيراني ، وتورط حلف واشنطن في العديد من الساحات وتراجع مكانة حليفها النيتوي في استانبول .

لقد فرض التقدم السوري على الأرض بعد شهر واحد من الدعم الروسي، على التحالف الغربي ومن يليه ،مراجعة مواقفه من الإستمرار على النحو الراهن في التدخل ضد سورية،حيث اتضح أمام تلك الأطراف أن إمكانية إسقاطها أصبح مستحيلاً، حيث لم يستطع التحالف الغربي إسقاطها بعد 54 شهرا من إلإستفراد بها ، فكيف سيكون الحال بعد دخول روسيا الإتحادية بكل ثقلها، وتلويحات إيران والصين وكوريا الديمقراطية وربما غيرها ضد حرب إرهابية مجنونة  على سورية طال أمدها .

لقد بدا واضحا لروسيا وحلفائها 3 أمور،أولها أن سورية اتخذت قرارها باستحالة إلحاق الهزيمة بها مهما كلف ذلك من أثمان،رغم ضخامة آلة الحرب الدولية التي تشن عليها ،وماتحظى به هذه الحرب من دعم هائل تسليحاً وتدريبا وتمويلا وغطاءً إعلامياً واستخبارياً واسعاً وطبابة .

وتيقنت روسيا ثانيا ، أن التحالف الأمريكي ليس جاداً في إلحاق الهزيمة بـ الإرهاب وعصاباته متعددة المسميات والمرجعيات،عنما دعت إلى تحالف سوري تركي سعودي للحرب على الإرهاب ورفضته تركيا والسعودية فيما قبلته سورية. بخاصة أن لأمريكا سوابق في تصنيع الإرهاب التكفيري الإسلاموي كما في أفغانستان، وفي دعم إنقلابات كما في تشيلي وتصنيع عصابات إرهابية كما  افغانستان ، وفي إسقاط أنظمة ودول كما في والعراق وليبيا وفي تقسيمها كما في يوغسلافيا والسودان والصومال،وفي شن الحروب كما في فيتنام، وغير ذلك كثير.

وثالثاً ، إن واشنطن معنية بإشغال العصابات الإرهابية سواء في حال تقدمها أو إندحارها عن التوجه إلى اراضيها أو إلى الكيان الصهيوني والدول  الغربية والتابعة لها، ودفعها بكل الوسائل للتوجه إلى روسيا وغرب الصين وكوريا الديمقراطية وفنزويلا وغيرها.

ورابعا ، أكدت معلومات استخبارية أن دولا حليفة لواشنطن على وشك تنفيذ خطة عسكرية شاملة بمعرفتها وبقيادتها الخلفية ، ما سرّع الدعم الروسي الذي لم يكن راغباً في الانخراط المباشر بالحرب على الإرهاب .

لقد فاجأ الإنخراط الروسي ؛ التحالف الشيطاني الأمريكي، فعاش حالة من التخبط والإرباك، بعض وقت ، وجعله أمام 3 خيارات أولها، التورط أكثر في التدخل في الحرب على سورية بكل ما يحتمل التورط من تبعات قد تقود إلى حرب شاملة، وما تقتضية من استحقاقات مكلفة إقتصادياً وامنياً .

والخيار الثاني الدخول في مفاوضات تسووية مع روسيا والقبول بما لم يكن مقبولا كـ مشاركة إيران في مفاوضات الحل ، وهو ما حدث قي اجتماع فينا,

وأسهم التوصل إلى اتفاق نووي مع إيران، أضطرت إليه أخيراً واشنطن وحليفاتها الغربيات رغم أنف تل ابيب،الى قناعة بأن ممارسات الحصار والتطويع القسري  لن تقود الى ما يبتغيه الغرب دائما، عندما تتوفر إرادة الصمود والحرية، بل إن طهران خرجب من الحصار أقوى على كل الصعد .

ومن هنا فقد اراد الغرب(لحاق نفسه) قبل تطور الأمور على الأرض السورية أكثر وقبل أن يتمكن الجيش العربي السوري من تحقيق حسم نهائي ،قد لا يضمن الغرب بنتيجته القدرة على التحكم بوجهة العصابات الإرهابية المسلّحة الفارّة الجريحة ، فتتحول إلى الغرب ومن يليه .

وبهذا المعنى فالتسريع بالحل السياسي والقبول بتقديم تنازلات مهمة ( وإن لم تكن كافية ) إلا أنها اول ( الحنجلة ) ما يحفظ أولاً، ماء وجه واشنطن و ( قففها ) وثانيا يتيح الحل السياسي تعاون الجميع لإنهاء هذه العصابات على الأرض  السورية ، فلا تنتقل الى التحالف الغربي وفي آن ، فإن هذا يرضي التحالف الروسي بالحيلولة دون تحوله اليه.

أما الإحتمال الثالث أمام التحالف الغربي، في ضوء انخراط روسيا بالحرب، فهو المناورة بذريعة البحث عن حل سياسي ، فيما يعد الغرب لغير ذلك ، كسباً للوقت ، وتطمينا لروسيا وحلفائها وإن أمكن التوصل إلى صيغة توقف موسكو عن الإستمرار في حربها على الإرهاب  أو تبطيء منها ، ما يتيح على الأقل وضعاً أفضل للغرب ، يساوم فيه على شروط أكثر ملاءمة له سياسياً أو تحقيق مفاجئة تعيد رسم معادلة الصراع .

لكن روسيا استبقت اجتماع فينا بالإعلان رسميا عن قرارها بزيادة عدد طلعاتها إلى 300 طلعة  يومياً ، ما يقطع الطريق ربما أمام محاولات المناورة ، ولا يدع أمام التحالف الأمريكي سوى أحد الخيارين الأوليْن ربما ، حصراً .

ورغم أن غلبة عددية واضحة توفرت لدى التحالف الأمريكي في إجتماع فينا ( 6 دول غربية أو تابعة للغرب ) هي أمريكا وبريطانيا والمانيا وفرنسا وإيطاليا وتركيا ، و 4 دول خليجية ، 3 منها هي ضد الدولة الوطنية السورية ، هي السعودية والإمارات وقطر .. و5  يمكن القول انها تقف في الوسط في حدود متفاوتة هي عُمان ومصر والعراق ولبنان والأردن ، و3 دول تقف إلى جانب سورية تماماً هي روسيا وإيران والصين ، إلا أن بيان فينا المكون من 9 نقاط وتتمة لم ترقم .. حقق لصالح الدولة الوطنية السورية مكاسب مهمة ، رغم ان بعضها يعتبر من البديهيات كالسيادة والاستقلال ووحدة الارض والشعب .. واستمرارية مؤسسات الدولة والحرب على الإرهاب ، إلا أنه حقق نتائج أخرى أكثر من هامة .

ومن هذه النتائج تأكيد البيان على الهوية العلمانية للدولة السورية بصرف النظر عن العرق أو الانتماء الديني.. وعدم حصر الجماعات الإرهابية بـ داعش ، وإخراج الجماعات السياسية على إختلاف مرجعياتها ومواقفها من تحت العباءة الأمريكية بحصر دعوة الأطراف للبحث في الحل السياسي بالأمم المتحدة حيث تمتلك روسيا والصين وربما دول أخرى ( خارج نطاق الدول دائمة العضوية ) امكانية مساندة جزئية.

كما نص البيان على شرط موافقة الحكومة السورية على اجراء الإنتخابات ، وهو مطلب سوري وحليف بأن الشعب العربي السوري هو الذي يقرر خياراته، وليس بفرضها من الخارج  وان سورية هي التي تملك وتقود العملية السياسية والشعب السوري هو من يحدد مستقبل سورية ( البند رقم 8 من بيان اجتماع فينا )، وبذلك فشل التحالف الأمريكي الرجعي في فرض شرط ( تنحية ) الرئيس العربي السوري الدكتور بشار الأسد

ولا يشمل وقف إطلاق النار في حال التوصل إليه ، العصابات الإرهابية ، بمعنى ان الحرب على هذه العصابات ستبقى مستمرة حتى سحقها .

لقد سبق لواشنطن والغرب الأوروبي والكيان الصهيوني أن كسبوا بالخداع والنفاق وإشعال الفتن وخلط الأوراق ما لم يكسبوه في الحرب والسياسة والحصارات الإقتصادية والديبلوماسية ، والأمثلة على ذلك كثيرة ، حتى ما كسبوه في بعض الحروب والاحتلالات لم يكن إلا عبر الخداع والكذب والتضليل .

بهذا المعنى لا ينامن أحد على حرير الحلول السياسية والتسيوية ،فهزيمة الغرب في سورية (فضيحة على بيدر مفتوح)لا مجال لتوريتها أو تبريرها ، بعد سنوات من التخطيط والدراسات والعمل التآمري المضني ، والتدريب والتسليح والتضليل والتمويل وشراء الذمم والدول والإعلام ، وما قد يترتب على الفشل من سقوط مشروع تآمري دولي كامل ( الشرق أوسط الجديد أوالكبير لا لفرق )  كما هو سقوط مشروع الإحاطة بروسيا والصين ودول بريكس وامريكا الللاتينية الصاعدة وإيران التي أعجزتهم حد الصدمة . . والأهم سقوط نظام أحادية القطبية على مدى نحو عقدين ونصف العقد.

لا نتوقع إذعان الغرب ومن يليه ؛ طوعاً ، طالما ما زال في جعبة ( الحواة ) المزيد من الثعابين ، إلا أن يكون مهزوماً مضطراً ، بهذا فالحرب على الإرهاب، هي حرب حقيقية عليه ، وهي الطريق الأقصر الى الحل السياسي .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى