المعادلة السياسية الجديدة..الاردنة شرط الاخونة
كتب ساطع الزغول

يوم الخميس الماضي تحول صقور المكتب التنفيذي لجماعة همام الاخوانية الى حمائم، وربما الى ارانب، حين قرروا فجأة، وخلافاً لسيل التهديدات والعنتريات السابقة، الغاء المهرجان الذي كانت تعتزم تنظيمه على اوسع نطاق عصر اليوم التالي، احتفالاً بالذكرى السنوية السبعين لتأسيسها، واستعراضاً لقوتها التنظيمية في معرض المقارنة مع الشراذم الاخوانية المحدودة التي انشقت عن الجماعة الام وشكلت ما بات يُعرف ”بجمعية ذنيبات المرخصة”.
هذا الموقف المتخاذل من صقور ”جماعة همام” سيشكل منعطفاً بارزاً في مستقبل العلاقة وطبيعة التعامل بين هذه الجماعة المهزومة وبين الدوائر الرسمية المتغولة، فضلاً عن انه سيكون له ما بعده في ميزان التنافس التناحري بينها وبين الجمعية المرخصة التي رجحت كفتها بدأت تشعر انها في الموقع الاقوى بفضل الدعم الرسمي السخي الذي يوفر لها ما ينتزعه من خصومها، ويوسع عليها بقدر ما يضيق عليهم.
ما تتعرض له جماعة الاخوان هذا الاوان، ليس وليد الساعة او الصدفة، ولا هو نتاج تنازع وتدافع حركي وتنظيمي داخل الجماعة بالدرجة الاساس، شأن العديد من الانشقاقات والاستقالات السابقة، وانما هو حصيلة ”لقاء مصالح” بين مجموعة فئوية غاضبة داخل الجماعة، وجهات حكومية وامنية اخترقت البيت الاخواني منذ مدة طويلة، ودفعت هذه المجموعات الى التفلت والانشقاق وشق عصا الطاعة على قيادة الجماعة، بدءاً بفريق ”حزب الوسط الاسلامي” ومروراً ”بمجموعة زمزم” وانتهاء ”بجمعية ذنيبات” التي ابتدأ الاعداد لانشقاقها وترخيصها منذ ”مؤتمر الاصلاح الاخواني” الذي عقده فصيل محسوب على جناح الحمائم في مثل هذه الايام من العام الماضي في مدينة اربد، وترأسه المحامي عبد المجيد ذنيبات، والقى فيه كلمه ”ملغومة” قال فيها ”الاخوان وليس الطرف الآخر”، وهو يعني قيادة الجماعة آنذاك التي كانت تتمثل في الثنائي همام – بني ارشيد.
وهكذا، فقد نجحت لعبة الدوائر الرسمية في توظيف خلافات الاجنحة المتصارعة داخل البيت الاخواني لصالح مشروعها التفكيكي المتمثل في اشغال هذه الاجنحة بمشاكلها الذاتية، واستنزاف قواها ضد بعضها بعضاً، ودرء مخاطرها على نظام الحكم، بل دفعها الى التنافس على التودد له والاستقواء به، رغم قراره غير المعلن بخفض سقف التعامل مع اطراف هذه الجماعة من المستوى السياسي الى المستويين الامني والقضائي، ووضع هذا الملف في عهدة السلطات القضائية (المحاكم) والامنية (وزارة الداخلية ودائرة المخابرات).
فقد قال مصدر رسمي متابع لاوضاع الجماعة، ان صناع القرار الرسمي ما عادوا يحسبون حساباً جدياً او يكترثون لاية مخاطر او تهديدات سياسية يمكن ان تشكلها الجماعة الاخوانية في الوقت الراهن، خلافاً لما كان عليه الحال اوائل موجة ”الربيع العربي” حيث تطوع احد القادة الاخوانيين للقول آنذاك ان الجماعة جاهزة لحكم الاردن.
واشار المصدر الى ان سقوط الحكم الاخواني في غير دولة عربية، وخمود الحراكات الشعبية التي واكبت هبة ”الربيع العربي”، علاوة على انقسام اخوان الاردن وتطاحنهم الراهن حد كسر العظم، قد ادى الى زوال مخاطرهم وتحدياتهم، ليس على الحكم الاردني فحسب، بل على الصعيد العربي باسره.
واعرب هذا المصدر المتابع والمطلع عن قناعته بان حالة الصراع والاختلاف داخل البيت الاخواني الاردني مرشحة للتفاقم والاستمرار لمدة طويلة، خصوصاً بعد تدخل عدة اطراف خارجية فيها، سواء لمناصرة ”جماعة همام” التي تتلقى دعم التنظيم الدولي للاخوان، او مناصرة ”جمعية الذنيبات” التي تتلقى الدعم والتشجيع من الجانب الرسمي والاعلامي الاردني.
وقال ان ”جماعة همام” ما زالت هي الاقوٌّى تنظيمياً والاوسع تمثيلاً للجسم الاخواني خصوصاً ذوي الاصول الفلسطينية، ولكنها باتت قيد الموقف الاضعف ورهن الحالة الدفاعية البحتة، في حين تتخذ ”جمعية الذنيبات” موقفاً هجومياً وترفع شعارات كيانية اردنية، وتزعم انها اصبحت بعد الترخيص صاحبة الشرعية والحق في ممتلكات ومقرات جماعة الاخوان العمومية.
واضاف يقول ان القياس في موازين القوى بين الفريقين لم يعد تنظيمياً يعتمد على حجم انصار كل فريق من قواعد وكوادر الجماعة، بل اصبح سياسياً يعتمد على درجة الولاء او المعارضة للدوائر الحاكمة التي باتت تمسك بكل خيوط اللعبة الاخوانية، وتملك ان ترجح كفة فريق على حساب الآخر، وترغب آخر الامر في اعادة الجماعة الى سابق عهدها في الولاء التام للنظام، والالتزام بخدمة مصالحه واهدافه، بعيداً عن العنتريات وخطابات المزايدة والمعارضة التي درجت عليها قيادة الجماعة خلال هيمنة جناح الصقور عليها في السنوات الاخيرة بزعامة المراقب العام همام سعيد، ونائبه المشاكس والمسجون حالياً زكي بني ارشيد.
واوضح هذا المصدر ان جدلية المعارضة والموالاة هي اساس الخلاف السياسي بين ”جماعة همام” وبين ”مجموعة الذنيبات” وشقيقتها التوأم ”مجموعة زمزم”، وفيما عدا ذلك ليس هناك خلافات سياسية او عقائدية تُذكر بين الفريقين، بل هناك خصومات شخصية ومنافسات حادة على اموال الجماعة وعقاراتها واستثماراتها والمناصب القيادية فيها.
وكشف هذا المصدر النقاب عن ان حلقة حوار ضيقة ضمت عدداً من المخططين السياسيين بعضهم اعضاء في ”مجلس السياسات” قد توصلت اواخر العام الماضي الى ضرورة ”اردنة” الجماعة الاخوانية وفك ارتباطها بالتنظيم الدولي للاخوان، خصوصاً بعد انتقاله الى اسطنبول وارتمائه في الاحضان التركية، عقب سقوط حكم الرئيس محمد مرسي في مصر، وتشرد مكتب الارشاد الاخواني ومصادرة مقره في جبل المقطم بالقاهرة، علماً بان هذا المكتب يتولى التوجيه والاشراف على جماعة الاخوان بالاردن بشكل خاص لانها تشكلت في الماضي بوصفها فرعاً لجماعة الاخوان المصرية.
ورداً عن سؤال ”للمجد” حول حجم التدخل الرسمي في موضوع الخلافات الاخوانية، اعترف هذا المصدر بوجود مثل هذا التدخل منذ بروز اهمية الحركات الاسلامية ودورها في ثورات ”الربيع العربي” وتحديداً دور الاخوان في الحراك الاردني، وقال ان عملية ”عض الاصابع” بدأت منذ ذلك الحين بين مختلف دوائر السلطة وبين صقور جماعة الاخوان الذين تصوروا انهم باتوا قريبين من تسلم الحكم، شأن ما حصل في تونس ومصر وليبيا.. مشيراً الى ان الدوائر الحكومية والامنية قد بادرت من فورها الى ضرب هذا ”الطموح الاخواني” وهو في المهد، وذلك من خلال جملة وسائل واجراءات سرية وعلنية، اهمها واخطرها استخدام ”القوة الناعمة” لاختراق الجماعة من داخلها، وتأجيج حدة الخلافات المزمنة بين اجنحتها الصقورية والحمائمية والوسطية حتى وصلت الى لحظة الانفجار وحالة الانقسام الراهنة والتي سيكون لها حتماً ما بعدها من عواقب وتداعيات !!


