المقالة الوجدانية

لازمني أخي وصديقي الاستاذ فهد الريماوي بكلماته الايجابية الأخوية الرقيقة طوال فترة مرضي في المستشفى منذ بداية شهر آذار الفائت، وشجعني بأن لا أغيب عن الكتابة ، وأن أبقى في حومة صناعة الفكرة أو الرأي الذي لابد منه في هذه اللحظات العربية العصيبة ، وكنت أعرف أن في ذلك سيكون شفائي لأن معاناتي الشخصية كانت ترتبط دائما وأبداً بهذا الخيط الوثيق من الكتابة وبهذه المعاناة القومية العامة التي تملأ كياني وعقلي .

لقد داهمني المرض فجأة وفي لحظة خاطفة لم تدعني أن أتلفت حولي أو أن أختار خيارات أخرى وسرعان ما مرّ بخاطري خليل مطران وهو يقول :

داء ألمّ فخلت فيه شفائي      من صبوتي فتضاعفت برحائي

يا للضعيفين استبدا بي وما         في الظلم أقوى من تسلط الضعفاء

ثاو على صخر أصمّ وليت لي           قلباً كهذي الصخرة الصماء

نعم ..  تذكرت أجزاء من هذه القصيدة التي حفضتها غيباً منذ أكثر من أربعين عاماً لأنها عبرت عن بعض ما كان يدور بخلدي وأنا في دوامة المعاناة والألم ، كما أنها خففت مما كان يدور بخلدي من احتمالات التفكير بالعد العكسي والغياب .

وكان أكثر ما آلمني أن أمرض في لحظة ربيع وأنا ممن يحفلون بالربيع  والاخضرار المبهج العميم  ولأنني ألاقي هذا الربيع كل صباح في مدينتي عندما أطل من النافذة ومن حيث كانت تبدأ صلاتي وينشرح صدري  وتتتالى خواطري ، ثم أبدأ المشي الصباحي الباكر بين السهوب الخضراء فألاحظ ولادة الندى وابتداء الحياة .

كنت ولا أزال لا أستطيع العيش بدون هذه اللحظة العزيزة على نفسي والباعثة لجزء من قدراتي, وكنت أرى أنها امتياز لا يحظى به أهل المدن ، وكنت بهذه المثابة  ” مثقفاً بريّاً ”  إذا صح القول لا أحب الانحباس والأقفاص والسدود ، وبدوت دائماً طليقاً في عقلي ووجداني ومعاشي .

تذكرت أثناء المرض ما قاله رئيس جمهورية البوسنة السابق علي عزت بيجوفتش في أحد خواطره التي وردت في كتابه ” هروبي الى الحرية ”  ( عندما كنت في السجن لم أكن أفكر إلا بالحرية ، وعندما كان يلم بي المرض لم أكن أفكر إلا بالصحة وعرفت أن الصحة قد تتقدم على الحرية )

وبعد وفاته عثروا في أحد أدرج خزانته في المستشفى على قصيدة ( رسالة الى الذات ) كتبها في أحد أشد لحظات معاناته :

قف وأنت منتصب القامة

كيف ستحني هامتك تحت النجوم ؟؟

وإلى أخي فهد رئيس التحرير الذي طلب بسلطاته التحريرية الودودة أن أكتب وأرسل مقالي في الوقت المناسب ، ولم أجد بداً من أن أستجيب لهذه الرغبة التي ستكون مقدمة لشفاء روحي التي شعرت لوهلة أنها أمام أسئلة من طور آخر جديد ومباغت .

ولهذا الانسان الكبير كل المحبة  والمجد !

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى