حكومة التوافق والتكاتف الوطني هي الضمان

في الظروف الصعبة والاوقات العصيبة والمخاطر الامنية والكوارث البيئية والطبيعية، تصبح المسؤولية الوطنية فرض عين على الحاكم والمحكوم معاً، وعلى الموالي والمعارض او اليميني واليساري او الغني والفقير على حد سواء.. فالكل شركاء في حراسة الوطن وحماية المواطن وتحمل عبء المسؤولية العمومية، والكل شركاء في نزف الدم ودفع الثمن حال انفلات الاوضاع وتدهور الامور.

وبغير تهوين او تهويل، يمكن القول بامانة ان الاردن يمر هذا الاوان بمنعطف صعب، ويتعرض لتهديد جدي يحدق به من عدة جوانب، ويحاول اختراق ساحته من عدة منافذ، ويتحين الفرص لتقويض امنه وتفجير جبهته الداخلية وضرب نسيجه الاجتماعي، شأن الجاري في غير قطر عربي شقيق.
وليس سراً ان نسبة غير قليلة من الاردنيين المعدمين والمهمشين والمحبطين والتكفيريين جاهزة ”للتدعيش”، وقابلة للاشتعال، ومستعدة للانفجار والانتحار بمجرد شعورها ان الفرصة قد سنحت، وان قبضة الدولة قد ضعفت، وان الاجر سوف يصلها في الدنيا على هيئة دولارات، او ينتظرها في الآخرة على صورة حوريات.
ورغم ان صناع القرار في بلادنا مغرمون بالوصايا والتعليمات والارشادات الاجنبية، ومستهينون برؤى وآراء ومقترحات المجتهدين الاردنيين، الا ان هذا لا يجوز ان يمنع كل مجتهد وصاحب رأي من طرح افكاره وملاحظاته ووجهات نظره علناً وعلى رؤوس الاشهاد وبرسم اطلاع الرأي العام، حتى ولو تعمد صناع القرار تجاهلها واداروا ظهورهم لها.
وعليه، فان لدينا، لرص الصفوف ومنع تعميق الانقسام، الملاحظات والمقترحات المختصرة التالية..
1- تشكيل حكومة تكاتف وتوافق وطني تضم افضل الكفاءات، وتحظى باحترام ومساندة القاعدة الشعبية العريضة، وتنعش الحياة السياسية التي قتلتها حكومة النسور.
2- استنفار الروح الوطنية، وتحويل كل مواطن الى خفير من خلال التعبئة العامة في المساجد والمدارس والجامعات والنوادي والبلديات والاحزاب والنقابات وسائر وسائل الاعلام المقروءة والمسموعة والمرئية.
3 – تقريب المسافة بين الحاكمين والمحكومين، وتوسيع دائرة التقارب والتفاهم والقواسم المشتركة بين الطرفين، لتسهيل بناء موقف موحد من تهديدات الدواعش الخارجية وامتداداتهم الداخلية.
4 – شن اوسع واشرس الحملات الامنية على اوكار وعصابات الاجرام، واعتبارها رديفاً احتياطياً للارهابيين، نظراً لانها قابلة – عند اول سانحة – للتحول السريع نحو الارهاب، شأن ما حدث في سوريا.
5 – قمع المجموعات والخلايا الارهابية والتكفيرية في البلاد دون هوادة وشل حركتها بمنتهى القسوة والشدة، فلا مهادنة مع اوباش الذبح والتفجير والتدمير والتطاول على امن البلاد وحياة العباد، ولا مكان بيننا لمثل هؤلاء الخارجين على الدين والقانون، والمستهترين بدم المواطن وحقه في الحياة وتمسكه بالنظام العام.
ولان الشيء بالشيء يذكر، فانني اعترف بين يدي قراء ”المجد” الاعزاء، ان الندم يفترسني هذا الاوان، لانني كنت من بين المثقفين الكثر الذين اشاروا على القيادة السورية، لدى اندلاع احداث درعا قبل نيف وثلاث سنوات، بالتروي والتسامح واللين ازاء المتظاهرين والمشاغبين الذين اتضح فيما بعد انهم كانوا مأجورين ومأمورين باداء دور ”حصان طروادة”.. ولو ان النظام تناولهم بالحزم والشدة منذ البداية لما وصلت سوريا الى الوضع المأساوي الراهن.
اما اشتراك الاردن في التحالف الدولي المناهض لتنظيم داعش، فليس غريباً ولا جديداً، فالاردن مشارك في هذا التحالف تحت اسم ”اصدقاء سوريا” منذ نيف وثلاث سنوات، وقد كان الشمال الاردني مسرحاً مفتوحاً لصولات الامير بندر وجولات العديد من الاجهزة الاستخبارية وعصابات المعارضة السورية المناوئة لنظام الرئيس بشار الاسد، ولكن احداً من فرسان الاسلام السياسي لم يعترض آنذاك على الانخراط الاردني في هذا التحالف الدولي، بل لعل هؤلاء الفرسان العميان قد اخذوا على السلطات الاردنية فتورها وقلة حماسها واندفاعها في الاطاحة بحكام دمشق.
هذا ما حصل في واقع الامر، اما بخصوص ما سيحصل فليس في صالح صانع القرار تحميل الاردن فوق طاقته، وارسال جنوده الى خارج حدوده، والذهاب بعيداً في خدمة هذا التحالف المريب، وحرق السفن وقطع خطوط التواصل والتعامل مع المحور الآخر المتمثل في سوريا وروسيا وايران.. فليس الاردن اقرب الى امريكا من تركيا، ولا اقرب الى السعودية من مصر، ورغم ذلك فلم تبد انقرة والقاهرة حماساً يُذكر للمشاركة في هذا التحالف الملغوم.
كلنا نعرف في قرارة ضمائرنا ان الدولة الاردنية منقوصة السيادة منذ نشأتها حتى اليوم، وانها محتاجة للمعونات المالية الخليجية والرعاية الابوية الامريكية على الدوام، وان قرارها السياسي والاقتصادي والامني محكوم بالتبعية ومحروم من الاستقلالية ومرتهن لعدة عواصم ومراكز اقليمية وعالمية.. ولهذا فاننا لا نسأل حكامنا رد القضاء، ولكننا نسألهم اللطف فيه و.. الالتفاف التكتيكي عليه، ليس رحمة بذئاب داعش واخواتها، بل تجنباً للانزلاق في ”ناتو جديد” يستهدف فعلياً تدمير سوريا، شأن ما حصل حين شاركنا الناتو القديم في الهجوم العسكري على ليبيا، واسهمنا في تمزيقها وتسليمها لسوائب الارهابيين والمخربين

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى