التفاف أمريكي حول مواقف مشينة

بقلم: علي محمد فخرو*

من الضروري أن يحلّل العرب بموضوعية وصدق مع النفس عرض بايدن الأمريكي الأخير بشأن إيقاف الحرب التدميرية في غزة، وعليهم أن لا يلدغوا من الجحر نفسه مرة أخرى.
فنحن أمام لعبة التفاف جديدة، قبل أن تكون مبادرة إنسانية لإنقاذ أرواح.. إنه التفاف حول صورة ازدراء عالمية واسعة وعميقة لدولة وقفت أكثر من ثمانية شهور وهي تزوّد الجيش الصهيوني بكل أنواع العتاد الحديث المدمّر القاتل، وتسهّل انضمام المتطوعين من داخلها وخارجها ليحاربوا مع ذلك الجيش، وتقدّم الأموال بسخاء منقطع النظير لمساعدة حكومة ذلك الجيش، على تحمّل أعباء تلك الحرب التي وصفها كل العالم بحرب الإبادة المجنونة، وتمنع المرة تلو المرة مجلس الأمن، بصفاقه لم ير مثلها العالم، من اتخاذ قرار دولي لإيقاف تلك الحرب وإنقاذ آلاف الأرواح الفلسطينية التي تموت من الجوع والعري والتشريد الممنهج تحت أنقاض مباني المدارس والمستشفيات والمساجد والكنائس والسّكن المهدّمة عن بكرة أبيها. وهو التفاف حول إعلام غربي بوجهين كاذبين، وحول خطابات سياسية منافقة تقول ما لا تعني، وتفعل ما لا تدّعي، وحول تجييش ممنهج من قبل استخباراتها لكل مساعدة ودعم للكيان الصهيوني، ولكلّ تراخ وتشويه في الفعل العربي المطلوب.

تمثيلية التفافية تتكرّر فصولها منذ عشرات السنين، يلعبها الكيان الصهيوني والاستعمار الغربي بشأن كل مواضيع حقوق الأمة العربية وكل محاولاتها للخروج من محن التجزئة والمشاحنات

وهو التفاف حول قرار عربي متواضع بالمناداة بعقد مؤتمر دولي جديد لينظر في الموضوع الفلسطيني برحمة وإنسانية، بعد أن تلاعبت أمريكا بالموضوع طيلة الثلاثين سنة الماضية، ودخلت من خلال مباحثات أوسلو كطرف محايد، بينما كانت طرفاً غير محايد، وهي تتفرّج على الاستيلاء الصهيوني لمزيد من الأرض الفلسطينية، وتبارك منع كل مقاومة مشروعة من قبل أية جهة عربية وإسلامية، ضدّ الاستعمار الصهيوني المتعاظم سنة بعد سنة، بل تفعل أكثر من ذلك بالضغط المستمر على كل الدول العربية لتطّبع مع ذلك الكيان الاستعماري، حتى لو كان قد انقلب إلى وحش لا يشبع ولا يرحم ولا يؤمن بذرة واحدة من القيم الإنسانية والأخلاقية.
إنه خوف أمريكي من خروج الموضوع الفلسطيني من اليد الأمريكية، إنه التفاف حول فضائح الكونغرس الأمريكي، وهو يتصرّف كميليشيا تهدّد قضاة محكمة الجنايات والعدل الدولية وغيرها من المؤسسات الحقوقية، بل يهدّد بأنه سيفعل كذا وكذا في عائلاتهم وأرزاقهم لو أنهم حكموا على مجرمين يمينيين ملطّخي الأيدي والأوجه بدماء أطفال فلسطين ونسائها. وأخيراً فإنه التفاف حول وعي إنساني حقوقي في صفوف شباب وشابات أمريكا واكتشافهم المتأخّر بكذب اللوبي الصهيوني والنظام السياسي الأمريكي، حول حقوق متصورة وادعاءات تاريخية لا وجود لها، وبالتالي انفضاضهم من حول الدعم للكيان الصهيوني واللوبي الصهيوني ومن الحزب الديمقراطي الحاكم المهدّد بخسارة الانتخابات الرئاسية المقبلة. إذ تبّين مؤخراً أن حوالي 15% من الذين صوّتوا للحزب الديمقراطي في الانتخابات الماضية لن يصوّتوا له في انتخابات نوفمبر/تشرين الثاني المقبلة. نحن في الحقيقة أمام تمثيلية التفافية تتكرّر فصولها منذ عشرات السنين، يلعبها الكيان الصهيوني والاستعمار الغربي بشأن كل مواضيع حقوق الأمة العربية وكل محاولاتها للخروج من محن التجزئة والمشاحنات المفتعلة وتجييش بعض السماسرة في طول وعرض الوطن العربي.
من هنا، نقولها كلمة صريحة واضحة للمسؤولين عن أنظمة الحكم العربية ولمؤسسات المجتمع المدني العربية: حلّ الموضوع الفلسطيني وحلّ كل موضوع عربي يحتاج إلى بناء قدرات عربية ذاتية مستقلة متعاونة. عند ذاك ستفتح الأبواب، وما عدا ذلك فإننا سنظل ندور وندور حول أنفسنا تماماً كما يريده الغرب الاستعماري وتريده الصهيونية العالمية.

*كاتب ومفكر بحريني

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى