عرض سياسي/ سيكولوجي لحالة إسرائيل بعد “طوفان الأقصى”، وفقاً لـ “نموذج كوبلر” لتحليل الصدمات

بقلم: الحاج محمد الناسك*

  • “أحمل ذلك اليوم الأسود معي يومًا فيومًا وليلة فليلة سأحمل معي إلى الأبد الألم الرهيب للحرب”، هذه العبارة التي وردت في إعلان استقالة رئيس شعبة الاستخبارات الإسرائيلية، بعد نحو أربعة عقود من الخدمة، تؤكد أن إسرائيل بلغت المرحلة الأخيرة من “المراحل الخمس للصدمة”، وفق “نموذج كوبلر”، بعد عملية “طوفان الأقصى”. فماذا يقول لنا هذا النموذج عن حالة إسرائيل؟

لا يجادل اثنان في أن “طوفان الأقصى” كان صدمة لم تختبر إسرائيل مثيلًا لها في عمرها القصير، الذي لم يبلغ بعد عمر الفيل (60-80). وقد عبر قادتها عن خشيتهم من أن تصاب بـ”لعنة العقد الثامن” ولا تتجاوزه. ويبدو أن “طوفان الأقصى” قد جدد هواجسهم وقلب عليهم المواجع، وهذا ما يؤكده رد فعلهم على الصدمة الذي سنعرضه على “نموذج كوبلر” ((the Kübler-Ross model، “المراحل الخمس للصدمة”.

لقد كان الداعي إلى كتابة هذا التعليق استقالة رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلي، أهارون حاليفا، في 22 أبريل/نيسان 2024، من منصبه، بعد إقراره بـ”مسؤوليته” عن الإخفاق في التصدي لعملية “طوفان الأقصى” في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023. وهذا الاعتراف من حاليفا، الذي استقال في فترة حرب، وهي فترة لا يستقيل فيها القادة، يُعد إيذانًا بدخول إسرائيل المرحلة الخامسة من “نموذج كوبلر”.

لكن قبل أن نعرض رد فعل إسرائيل على النموذج المومأ إليه، دعنا نتعرف على إليزابيث كوبلر روس (Elisabeth Kübler-Ross) ونموذجها المعروف كذلك بـ “مراحل الحزن الخمسة” (Five Stages of Grief)،

إليزابيث كوبلر روس طبيبة نفسية أميركية سويسرية (1926-2004)، وباحثة في ماهية الموت والمرضى المأيوس منهم. لما كانت تُدرس في كلية الطب بجامعة شيكاغو طورت مشروعًا صغيرًا عن الموت مع مجموعة من طلاب اللاهوت، تحول إلى سلسلة ندوات تخللتها مقابلات مع أشخاص يحتضرون، وجالست مرضى على حافة الهلاك.

ويبدو أن سؤال المعنى في الغرب، وعدم إدراك الإنسان الغربي لمعنى الحياة يُصعِّب عليه التصالح مع الموت وتقبله، وهذا ما تناولته في كتاب آخر لها بعنوان: (Death: The Final Stage of Growth)، وقد ساعدت أعمال إليزابيث كوبلر، التي وضعتها بناء على خبرتها الميدانية، في رعاية المرضى المأيوس من شفائهم. وبيَّنت كوبلر في كتابها (Living with Death and dying) أن الحوار الهادف مع المحتضر ربما يجعله يموت بسلام.

قدمت الخبيرة النفسية إليزابيث كوبلر روس هذا النموذج، في 1969، في كتاب بعنوان: “عن الموت والاحتضار” (On death and dying) المستوحى من خبرتها مع المرضى الذين فقدوا الأمل في الحياة. وسرعان ما أصبح كتاب كوبلر منهجًا للتعامل مع ما قد يصيب الناس من مصائب.

“نموذج كوبلر”، أو (المراحل الخمس للصدمة)، هي سلسلة من المراحل العاطفية التي تواجهنا عندما نمر بصدمة عاطفية حزينة، مثل موت قريب، أو خسارة حبيب، أو الإصابة بمرض عضال، أو ضياع ثروة، أو ما شابه. وتشمل المراحل الخمس: الإنكار(Denial) ، والغضب(Anger) ، والمساومة(Bargaining) ، والاكتئاب (Depression)، والقبول (Acceptance).

في المرحلة الأولى من النموذج يكون الشخص وجهًا لوجه مع الصدمة، لكنه يتفادى النظر في المشكلة مباشرة، ويفقد الاتصال بالواقع، ويصاب بالتشويش ويحاول أن يقنع نفسه بأن هذا لا يحدث فعلًا، وأنه سيتملص منه.

أما في المرحلة الثانية، فيتساءل المصدوم “لماذا يحدث هذا؟” ويرى أنه ليس عدلًا، وكيف حدث له هذا وعلى من يقع اللوم… وغيرها من الأسئلة التي يسألها الغاضب الذي خرج عن طوره؛ وهو غضب ممزوج بالأسى والحقد، ومن الممكن أن يعبر عن نفسه بطرق مختلفة، بالغضب من النفس أو الآخرين، وخاصة أولئك الذين يحيطون به. تنصحنا كوبلر بالابتعاد عن المصدوم حتى يتجاوز هذه المرحلة.

المرحلة الثالثة (المساومة)، يكون فيها الشخص مستعدًّا لفعل أي شيء للتخلص مما أصابه، ويمكن أن نسميها كذلك “مرحلة النذر”؛ كأن ينذر المصدوم أنه سيتبرع بجزء من ماله لمساعدة المحتاجين والفقراء، والقيام بأعمال الخير.

المرحلة الرابعة (الاكتئاب)، يرى خلالها الشخص المصدوم أن لا شيء يستحق العناء، وأن ما باليد حيلة، ولا فائدة ترجى من القيام بأي شيء ما دام سيهلك. خلال المرحلة الرابعة يدخل الشخص في دوامة الإحباط، وينطوي على نفسه ويترك الحياة، وعمله، واهتماماته ويُعرض عن الآخرين، ويلزم الصمت. في هذه المرحلة يبدأ المصدوم بالاعتراف بالواقع، وهي أولى مراحل تغير الشخصية والنظرة إلى الحياة وإلى الأمور، والقبول بها.

في المرحلة الخامسة (القبول)، لم تعد الأمور تبدو بذلك السوء، وقد تتطور نحو الأفضل، وهكذا يبدأ المصدوم رويدًا رويدًا في هذه المرحلة الأخيرة، بالتصالح مع نفسه والبحث في الخيارات المتاحة، ورسم خطط جديدة للحياة، ويشعر ببعض الأمان والهدوء وينظر إلى الصدمة على أنها ستصبح ذكرى، ويفهم معناها، ويصبح لديه حافز لمواصلة الحياة.

ويبدو أن الشخص الذي تعرض لصدمة قد لا يمر بمراحل النموذج الخمس بالترتيب نفسه وقد لا يختبر المراحل كلها، لكن يبدو لنا أن إسرائيل مرت بجميع المراحل وترتيبها، ولكن قد تتداخل مرحلة بأخرى. فقد مرت بمرحلة الصدمة والضياع وفقدان التوازن، وهي صدمة لا قبل لها بها، ثم بمرحلة الغضب الأهوج، المتمثل في رد فعلها الهمجي التدميري بمساعدة حلفائها من الغرب ومن المطبعين العرب الذي أصابهم ما أصابها أو أكثر وانهار عالمهم الذي بنوه فوق رؤوسهم، وجرف “طوفان الأقصى” مخططاتهم، باعتراف الرئيس الأميركي بايدن. كما مرت إسرائيل بمرحلة المساومة، فحاولت ترسانتها الإعلامية، وكانت لها الغربية ظهيرا، الحد من حقيقة ما وقع والترويج لأكاذيبها حتى كتبت عند الرأي العام العالمي كاذبة.

وقد شهد شاهد من أهلها، رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية أهارون حاليفا المغربي الأصل، أن إسرائيل دخلت المرحلة الأخيرة من سلم كوبلر (مرحلة القبول)؛ فقد قال في رسالة استقالته، التي تمثل “مرحلة القبول”: “نفذت حركة حماس، يوم السبت 7 أكتوبر 2023، هجومًا دمويًّا مباغتًا كانت نتائجه قاسية ومؤلمة. إن قسم الاستخبارات الذي يقع تحت إمرتي لم يرق إلى مستوى المهمة التي أوكلت إلينا. أحمل ذلك اليوم الأسود معي منذ ذلك الحين يومًا فيومًا وليلة فليلة سأحمل معي إلى الأبد الألم الرهيب للحرب”. بعد إعلان استقالته، التي رأى فيها محللون بداية مرحلة تساقط القادة في إسرائيل وانفراط عقد حكومة اليمين المتطرف، أصبح حاليفا غرضًا يرمى من طرف صحافيين وناشطين إسرائيليين ما زالوا يكابرون ولا يملكون شجاعته للاعتراف أن ساعة الانتقال إلى المرحلة الأخيرة من “نموذج كوبلر” قد أزفت.

*باحث في مركز الجزيرة للدراسات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى