
بقلم: هدى ابو غنيمة
بمثل ما تمتعني قراءة الكتب تمتعني قراءة الناس والشجر والحجر وكل مفردات الكون من حولي وتوقظ حسي من بلادة ألفة الاعتياد، فمنذ أن تركت الحوادث والتجارب بصماتها على نفسي وفي روحي وأنا لا آخذ الأمور على عواهنها فيما أسمع وأرى بحواسي الخارجية والداخلية معاً، لذلك قلما أخطأ حدسي أو أخطأت فراستي في تقييم من أصادف من الناس على اختلاف مواقعهم· فهل تشبه قراءة كتاب الناس قراءة الكتاب المعرفي ؟ وهل بقي الكتاب هو المصدر الأساسي للمعرفة في عصر تعددت مصادر المعرفة فيه ؟
فرق كبير بين أن يطل الإنسان على العالم من حوله وعلى الناس من شرفة كتاب وبين أن يقرأهم في حركتهم اليومية الحية والتواصل معهم·
وكثيراً ما تكون قراءة الناس والمجتمع بالتجربة أكثر متعة إذ تمنحنا متعة الاكتشاف· اكتشاف التفاهة والسطحية في من يتقن تسويق نفسه كرمز سياسي أو ثقافي، واكتشاف النفعية والانتهازية حتى في من كان يظنهم المرء أقرب الناس إليه وموضع ثقته·
لذلك مهما اجتهدنا في تنظير وتحليل أسباب إخفاقنا الحضاري وتفاقم الأزمات السياسية والاقتصادية في مجتمعاتنا فإن ذلك لا يجدي ما لم نتعلم كيف نقرأ في كتاب الناس وحراكهم اليومي في الحياة اليومية والعملية·
قراءة العين والوجه·
والعين تعرف من عيني محدثها إن كان من حزبها أو من أعاديها
وقراءة النسق المضمر في الحديث وكم من الناس من:
يعطيك من طرف اللسان حلاوة ويروغ منك كما يروغ الثعلب
وقراءة حركة الجسد وكثيراً ما تكون حركة توحي بالبحث عن كتف لتنهشه، وهل يستوي الذين يعرفون من أين تؤكل الكتف والذين لا يعرفون ؟
لم يعد التواصل في مجتمعاتنا عفوياً وتلقائياً أو تعبيراً عن حاجة إنسانية بل أصبح يحتاج إلى مستويات متعددة من المعرفة والخبرة والاستراتيجيات بدءاً من الأفراد وانتهاء بالحكومات والسياسيين، مما يستحضر في كثير من المواقف والتصريحات ما قاله شوقي في احدى مسرحياته الشعرية كليوباترة على لسان شخصياته
انظر الشعب أمون كيف يوحون إليه
يا له من ببغاء عقله في أذنيه
لم يعد الوصول إلى المناصب المهمة والوجاهة السياسية والاجتماعية والثقافية يحتاج إلى كفاءات ومواهب كبيرة كما يلقى في روعنا بقدر ما يحتاج إلى معرفة وخبرة بمواطن أكل الأكتاف وانتهاز الفرص فهل نعجب من تفاقم أزماتنا الاقتصادية والاجتماعية بعد أن نهشت أكتاف الأوطان، وتاهت الحقائق في ملفات الفساد المقيدة ضد مجهول هذا الفساد المجهول الذي يكاد ينطق الشيطان ليتبرأ من علاقته بالمقولة الشائعة الساكت عن الحق شيطان أخرس، وقديماً قال شاعر عانى من مساوئ أهل زمانه:
ما أطيب العيش لو أن الفتى حجر تنبو الحوادث عنه وهو ملموم