
بقلم: غطاس ابو عيطة
تتواصل عبر الصحافة العربية، حملة الترويج لحل الدولة الواحدة الديمقراطية للصراع الفلسطيني- الصهيوني، وقد انضمت مجلة المستقبل العربي لهذه الحملة، حين نشرت في عددها لشهر أيار الماضي، ملفاً خاصاً بالمسألة ضم عدداً من الأوراق التي قدمت في المؤتمر الذي انعقد في جامعة ماساشوستس الأمريكية حول هذا الموضوع بمشاركة عدد من الباحثين العرب والأجانب من ضمنهم جماعة' المؤرخين الجدد' في الكيان الصهيوني الغاصب·
ولعل أبرز ما تضمنه هذا المحور في ترويجه للحل الديمقراطي هو التالي-:
أولاً- إن حل الدولتين لم يعد قابلاً للتحقيق بسبب ما نشأ من وقائع استيطانية، ثم أن هذا الحل قد طرح من جانب الحكومات الصهيونية بدعم أمريكي لهدف التغطية على العملية الجارية لاستكمال تهويد الأرض الفلسطينية، ولإنهاء محاصرة التجمعات الفلسطينية في معازل مسيطرٍ عليها· وهذا الحل لا مستقبل له، لأنه يقوم على إخراج 4-5 مساحة فلسطين من التسوية، وعلى إهمال مصير ثلثيْ الشعب الفلسطيني· وأن قيادة منظمة التحرير قد أخضعت لهذا الحل في ظروف ضعفها، وأتت تصفية عرفات حين بات يشكل عقبة بوجه استمرار هذه المؤامرة، وهذا المصير هو ما يحكم مسار خلفائه·
ثانياً- لقد جاء هذا الحل على أرضية المشروع الصهيوني الذي تأسس على رفض التعايش بين المهاجرين المستوطنين وبين سكان البلاد الأصليين، وأن ما عمدت له الحركة الصهيونية التي قادت هذا المشروع مدعومة من الدوائر الغربية الاستعمارية، هو إلغاء الوجود المادي والمعنوي لسكان فلسطين الأصليين·· غير أن عملية الإلغاء لم تتحقق برغم عملية التهجير الواسعة، وهكذا عادت قضية هؤلاء السكان لكي تشكل جزءاً عضوياً من القضية الفلسطينية، ولكي تغدو عاملاً هاماً في رسم مستقبل النظام الاستعماري الاستيطاني الذي أقيم على أرض فلسطين·
ثالثاً- إن فكرة التعايش بين المهاجرين وبين سكان البلاد الاصليين، كانت هي السائدة في وعي المهاجرين الأوائل، وأن الحركة الصهيونية هي من ألغى هذه الفكرة وعمل على تهميش مؤيديها وسط التجمع الإستيطاني اليهودي· ثم أن برنامج منظمة التحرير، قام بداية على أساس هذه االفكرة، لكنه جرى التخلي عنها عندما جرى التسليم بغلبة المشروع الصهيوني، وإن العودة لهذه الفكرة تشكل المخرج للطرفين المتجابهين في صراعِ إفنائي لا نهاية له·
رابعاً- إن القوى السياسية المهيمنة على التجمعين الفلسطيني والاسرائيلي هي مع حل الدولتين المدعوم في الظاهر من القوى الدولية، وإن مهمة إعادة الاعتبار للحل الديمقراطي، تقوم الآن على عاتق أفراد داخل المعسكرين وفي العالم ما زالوا متفرقين ومهمشين، وذلك يفرض عليهم بذل جهود ضخمة لكي تسود رؤيتهم التي تشكل الحل الحقيقي للصراع الدائر·
وإذ نتصدى لهذه الرؤية فإننا نريد القول:
1- إن ما تقوم عليه هذه الرؤية، هو أن النضال التحرري الذي خاضه الشعب الفلسطيني على مدى قرن من الزمن قد انتهى بالهزيمة، لأنه انحرف عن فكرة التعايش ضمن عملية تسليم بأساس المشروع الصهيوني· وإن التيار الإسلامي الصاعد، سوف يصل إلى ذات النتيجة التي وصلتها الحركة الوطنية الفلسطينية بقيادة منظمة التحرير، لأنه قام على أساس الفصل من منطلق ديني، بين المستوطنين اليهود وبين الفلسطينيين المسلمين· ورأينا هنا، هو أن هذا النضال التحرري، هو من بلور الهوية الوطنية الفلسطينية التي سعى المشروع الاستعماري- الصهيوني إلى شطبها من خارطة المنطقة والعالم، وأن استمرار هذا النضال بشكله المقاوم، هو القادر على حفظ تلك الهوية أمام مساعي تبديدها من جانب الحلف الأمريكي- الصهيوني، وأن هذا النضال، هو الذي يشكل التهديد التاريخي للمشروع الصهيوني وليس المضي خلف سراب حل ديمقراطي يتم بلوغه عن طريق الدعوات الصالحات من منطلق التسليم بأن هذا المشروع بات واقعاً لا يمكن إلغاؤه·
2- إن المطروح من جانب الشعب الفلسطيني وقواه المناضلة والمقاومة، هو ليس حل الدولتين كما يرى مروجو الحل الديمقراطي، بل هو انتزاع هدف الدولة الفلسطينية كخطوة على طريق إلحاق الهزيمة النهائية بالمشروع الصهيوني كامتداد عضوي للمشروع الإستعماري تجاه المنطقة، وإن ما تطمسه هذه الرؤية، هو حقيقة الفارق بين ما يطرحه نهج المقاومة على الساحة الفلسطينية، وما يطرحه معسكر الإستسلام، كما أن ما يتعامى عنه أصحاب هذه الرؤية عن سابق عمد، هو حقيقة أن التحولات على امتداد ساحة الصراع قد جعلت هدف الدولة ممكن التحقيق، وبالتالي فإن طرح هدفٍ بديل أمام الشعب الفلسطيني، إنما يرمي إلى تبديد ما أنجزه هذا الشعب عبر تضحياته الجسام·
3- إن فشل المشروع الصهيوني في إلغاء وجود الشعب الفلسطيني لا يغير من طبيعة هذا المشروع الذي سيظل يحاول تدمير وجود هذا الشعب، منطلقاً من المبدأ الذي يعتمده الصهاينة، بأن ما لم يتحقق عن طريق القوّة، يمكن تحقيقه باستخدام مزيد من القوة، وهكذا فإن طبيعة الصراع مع هذا المشروع، لا تفسح في المجال أمام بلوغ حل ديمقراطي، وعليه فإن تعليق الأوهام على مثل هذا الحل، لا يعني غير دفع شعب فلسطين نحو التسليم بالهزيمة أمام مشروع ينطلق دعاة هذا الحل من أنه لم يعد قابلاً للإجتثاث، وذلك ضمن مرحلة من الصراع باتت تنبئ بأن المشروع الصهيوني قد استنفد قدرته على التقدم، وان هزيمته باتت مسألة زمن، الأمر الذي حذرت منه وزيرة خارجية أمريكا وهي تخاطب المشاركين في مؤتمر إيباك الصهيوني، وحذر منه قبل ذلك أولمرت، وأخذه بيرز في حسابه وهو يحاول رسم وصفةٍ للتوفيق بين المشروع الصهيوني القائم على الإنفصال العنصري، وبين شكل من الإندماج في إطار نظامٍ إقليمي شرق أوسطي يموه طبيعة هذا المشروع، إذ يقيم حلفاً مع نظم التبعية التي يشكل بقاءَها ضمانة لبقائه،وذلك بعد أن لم تعد أسرار التكنولوجيا كما أوضح هؤلاء جميعاً حكراً على الكيان وعلى حماته في المعسكر الإمبريالي، وباتت مبذولة لأي أمة او جماعة بشرية مصممة على بناء مستقبلها خارج إطار مشاريع الهيمنة الاستعمارية·
4- إن انتزاع الدولة الفلسطينية المستقلة لم يعد خارج معطيات الواقع، وإن الخطر الذي يواجهه مثل هذا الإنجاز التاريخي، هو أن يكون ثمن الدولة، التسليم ببقاء المشروع الصهيوني· وذلك من خلال القبول بقيود تعطل إلى حين مهمة هذه الدولة في استكمال مشروع التحرير· ونريد أن نوضح هنا، بأن أي قيادة فلسطينية سوف تحكم على نفسها بالخروج من الحياة السياسية، حين تسلم بأن المشروع الصهيوني بات أمراً واقعاً لا يمكن إلغاؤه، لتتولى االقيادة قوةأكثر جذرية وأعمق تعبيراً عن إرادة الجماهير الشعبية،وتعمل على استكمال مشروع التحريرالذي يتسق مع حقيقة ومع طبيعة الصراع مع كيان استيطاني هو ضد التسوية بحكم وظيفته في خدمة مشاريع الإخضاع الاستعمارية·
5- وما نريد التاكيد عليه مجدداً، هو أن صعود التيار الإسلامي في هذه المرحلة من مراحل الصراع مع المشروع الاستعماري وامتداده الصهيوني، هو ليس نكوصاً عن المشروع القومي، وليس إلغاء للمشروع الوطني الذي سارت على هديه منظمة التحرير الفلسطينية في ظروف انكسار المشروع القومي تحت تأثير هزيمة حزيران عام 1967، وبالتالي فإن صعود هذا التيار، هو الدليل على حيوية هذه الأمة وعلى ما تختزنه من الطاقات· وإن تبخيس إنجازات هذا التيار هو خيانة لإرادة هذه الأمة، وهو استبطان لثقافة الهزيمة التي روجت لها الهجمة النيوكولنيالية الإمبريالية التي قادتها أمريكا ضد دول وشعوب المنطقة برغم وصولها إلى المأزق، وأن من يروج لهذه الثقافة هم بعض من كانوا في مواقع اليسار ملتحقين بتيار نشأ على موائد الليبرالية التابعة للمعسكر الإمبريالي·
6- ونود التوضيح هنا، هو أن طرح قيادة منظمة التحرير للحل الديمقراطي، لم يأت في حينه خارج إطار الوهم بأن ذلك يجعلها مقبولةً من ' المجتمع الدولي'، ثم إن قبولها بعد ذلك بحل الدولتين مروراً بترانزيت الدولة المستقلة" التي تقوم على الأرض التي يجري تحريرها"، إنما جاء إمعاناً في التعويل على ذلك المجتمع الدولي الذي اختزل في الإمبريالية الأمريكية· وقد دللت الوقائع عقب أوسلو، بأن ما لا يؤخذ بالمقاومة لا يؤخذ في طريق الإستجداء، ذلك أنه إما أن يتقدم حل الدولة المستقلة كخطوة على طريق التحرير أو أن تتقدم مؤامرة التصفية·
وفي الختام نريد القول، بأن القادم على أرض فلسطين هو الدولة المستقلة التي تقوم على أرضية تراجع المشروع النقيض، وأن ما مكن الشعب الفلسطيني من الصمود أمام أعتى هجمة استعمارية استطاعت لفترة أن تخرجه من خارطة العالم لكي يعود مجدداً إلى احتلال كل تلك الخارطة، سوف يمكنه من دحر مشروع بني على اساس أن فلسطين هي أرض من دون شعب، ليكون الحل إزاء الصراع مع هذا المشروع أو مع هذا النظام الاستعماري الإستيطاني، هو من نمط الحل الذي شهدته الجزائر، لأن حل الإبادة الذي بني على أساسه هذا المشروع هو مما تجاوزه الزمن، ولأن الحل الديمقراطي هو في تعارض جذري مع طبيعة هذا المشروع، ولأن ميزان القوة في المنطقة هو في تحرك دائم منذ حرب تشرين عام 1973 لصالح هذه الأمة، وان كل محاولات كسر هذا المسار عن طريق القوة قد منيت بالخذلان وإن ما نريد قوله للقائمين على مجلة المستقبل العربي، هو أن لا يضيعوا البوصلة القومية التي يهتدون بها، إذ ليس من مهمتهم الترويج لإمكانية التعايش مع مشروع حكم على نفسه بالإنهيار، حين انطلق من الحكم على الأمة العربية بأن تزول كأمة من مدخل تبديد هوية الشعب الفلسطيني الوطنية، وذلك عن طريق تحويل هذا الشعب إلى جماعات وتجمعات لا رابط بينها، مستنداً في ذلك إلى منطق القوة ومتصادماً مع أي منطق للتاريخ·