8/30/2010 الإثنين
سياسية ، عربية ، دولية
السنة السابعة عشرة، العدد 608
الصفحة الرئيسية
كلمات في ذكرى وفاته·· حضور عفلق وجمراته المشتعله !!

بقلم: اسماعيل ابو البندورة

في ذكرى وفاة مؤسس البعث التي تصادف في الثالث والعشرين من حزيران نستذكر المعاني والمباديء الكبرى التي طرحها وكرس حياته لها هذا المفكر العربي الاصيل وبقيت لها مشروعيتها ووهجها حتى اللحظة· ذلك ان فيها الكثير مما لم يتحقق ويتجسد حتى ايامنا الراهنة، وفيها الكثير مما يصلح للاجابة على قضايا الحاضر وتحدياته·
فما الذي جعل فكرة البعث تبقى فكرة متوهجة وباقية ومستمرة في الخيال والعقل العربي القومي؟ وما الذي يجعل البعث يكون بهذه المثابة الفكرة والرسالة التي يمكن ان تولد افاقا جديدة للتفكير والبحث والدراسة؟ وما الذي جعل هذه الافكار الواضحة والمتواضعة طرحا وخطابا، والهامة نوعا ووقعا تبقى امام العقل العربي منذ ان تحرك الناس بهديها وتجسيدا لها عام 1948 لمواجهة غزو فلسطين والى ان واجه الناس الاستعمار الامريكي - الصهيوني الجديد في العراق تحت رايتها ومن خلال مشروعها للحرية والتحرير؟ مالذي جعل فكرة البعث والانبعاث القومي في مقدمة الافكار التي يتحاور الناس حول واقعيتها وعقلانيتها لا من خلال ارتباطها بحزب ومؤسسة ودولة وموقف وانما باعتبارها فكرة احيائية تنطوي على افكار جامعة وجاذبة و قادرة على استنهاض افكار التغيير والانقلاب على الواقع·
ما الذي يجعلنا نعود دائما الى عفلق واطروحاته التأسيسيه؟ وما الذي يجعل لعفلق هذا الحضور الدائم في عقل وخيال القوميين العرب؟ ما الذي جاء به عفلق وتميزت به فكرة البعث عن غيرها من الحركات السياسية العربية؟ ماالذي يجعلنا نقرأه حتى اللحظة قراءات نقدية دون ان نجد انفسنا في تعارض او تضاد معه او خارج أفكاره البؤرية؟
اننا نعود اليه عودة نقدية استعادية للمبادئ التي حركت الواقع السياسي العربي اكثر من ستين عاما· ونعود الى اطروحاته لانها الاساس الذي بنيت عليه معظم الافكار القومية في الوطن العربي حتى وان اتخذت اسماء وعناوين اخرى· ونعود اليه لان افكاره تميزت بالاصالة والاستقلال وعبرت عن حاجات وواقع عربي معطى·
لقد درجت بعض الكتابات على التهوين والتشويه والاستخفاف بهذه الاطروحات ومطلقها وكان ذلك من بين المواقف التي كنا نعجب لاطلاقها ورواجها ونرثي لحال اصحابها لضحالة نقدهم وكيديته وسطحيته وتسطحه وسوء طوية مطلقيه ذلك ان معظمها كان نتاجا لقراءات سطحية وغير بريئة وهدفها الاطاحة بهذا الفكر وتصفية حسابات سياسية معه وتشويه المعاني التي دافع ويدافع عنها وخصوصا بعد ان اصبح هذا الحزب في مقدمة الاحزاب القومية العربية القادره على الجذب والتغييروالوقوف بوجه المشاريع الاستعمارية· وقد صدرت في هذا المجال كتب كثيره ودراسات تلفيقية اعلاميه الطابع لابل ان حقبة اعلامية كامله قد ظهرت وتجلت في صحف وكتب ونشرات وافلام وفضائيات من اجل شيطنة وتشويه هذا الفكر الا انها كما ارى لم تحقق اهدافها في الغاء هذا الفكر او اجتثاثه كما خطط لذلك الامريكان والصهاينة وملالي ايران ومن لف لفهم من المليشيات الثقافية والمارينز العرب لابل انها طرحت في المجال السياسي القومي والعالمي سؤالا جديدا حول البعث وحضوره واهمية مشروعه القومي وحركت سؤالا غرائبيا عالميا عن اسباب تجنيد هذه القوى العالمية والعربية المرتبطة بالاستعمار لاجتثاثة والقضاء عليه وعلى قيادته وعناصره·
وعندما قرر الحاكم الامريكي للعراق بريمر (سيئ الصيت والذكر)' بمعاونة عملاء الاحتلال 'اجتثاث البعث توجه بحركة رمزية لايصعب فهمها وادراك مغازيها الى مبنى القيادة القومية للحزب ليجعل منها مقرا للاوغاد والجواسيس وبحركة تعني الاقتلاع والاحلال والابدال ومحاربة فكرة ورمزية معينه وبعدها ذهب الى ضريح الاستاذ عفلق لكي يقتلعه ايضا وهكذا تصوروا ورسموا نهاية الحزب و نهاية مؤسسه· ولكن فألهم سقط وخاب عندما فتح لهم الحزب ومؤسسه وقائده الشهيد المجيد صدام حسين صفحة المقاومة بأقوى واشد وأسرع اشكالها· وكان ذلك من الهامات عفلق التي تكثفت في الصدور المؤمنة وهذا هو انبعاث فكره الملهم وتلك هي احدى مميزات فكره ودعوته وهي سر تجدده الدائم وحضوره وانبعاث ايحاءاته في لحظات الشدة والانعطافات الكبرى·
سوف اشير الى مسألتين قاربهما عفلق مقاربة اصيلة وواقعية وتكوينية ومكونة لعقل قومي عقلاني اراد ورام ان يؤسس لحقل تغييري في الفكر والممارسة في فترة مبكرة وهما تؤشران على عمق في التفكير وشمولية في الرؤية او هما بذارا من تلك التي اراد من خلال استنباتها في الفكر العربي انشاء مرجعيات راسخة وثوابت مبدئيه تنشئ نمطا من الاستقلال الفكري وعدم الارتهان للنظريات والايديولوجيات السائده والتي اراد بعضها وبعض دعاتها ليّ عنق الواقع العربي لمتطلباتها وزرع اشجار اصطناعية في تربة هذا الواقع دون اخذ أي اعتبار لخواصه·
وما اطرحه هنا هو جزئيات بسيطة ومحددة مما انطوى عليه فكر مؤسس البعث والذي ارى انه يحتاج دائما الى قراءات اخرى مغايرة وشمولية تقرأ ما بين سطوره وتبرز للعيان قوة ومتانة خطابه وما خفي من تبصراته واستبصاراته وتجسيدات فكره على ارض الواقع وقدرته على الايحاء والتجدد·
لقد طرح مؤسس البعث في فترة مبكره فكرة التلازم بين العروبة والاسلام بمنهجية ومنظور يجعل الدين يكون دينا تكوينيا حضاريا في حياة العرب ودعا الى قراءة الاسلام قراءة ثورية استنهاضية مغايرة تأخذ في الاعتبار تجربته الثورية الانقلابية في تغيير حياة العرب ومكانة الايمان فيه· وقدرته الدائمة على التجدد وعارض فكرة توظيف الاسلام لغايات ايديولوجية بعيدة عن حقيقته ومراميه البعيدة· لقد رام ابعاد الدين عن اهواء الساسة والحكام ولم يرد ابعاده عن حياة العرب ونضالهم وتجربتهم ذلك ان قومية العرب ارتبطت واقترنت بهذا الدين· حتى انه طالب في واحدة من أجلى افكاره وأصدقها حتى المسيحيين العرب التمسك بهذا الدين من الناحية القومية والحضارية لان الدفاع عنه يصبح في هذه الحالة دفاعا عن الوجود القومي وترسيخا له·
وقدم علمانية جزئية حميدة وغير الحاديه ومتصالحة تماما مع فكرته الكبرى عن الاسلام ركز فيها على الايمان وقدرته الرمزية والايحائية على الانتهاض وتغيير الواقع وعارض فكرة الحزب والدولة الدينية معارضته لكل مايمكن ان يفرق العرب ويمزق وحدتهم فالدين في اطروحة مؤسس البعث يجمع العرب ولا يفرقهم في الاتجاه والمذهب مع التركيز على ضرورة التفريق بين العقيدة الدينية العامة والشاملة للبشر والانتماء القومي المحدد بشعب وامة وقومية·
ولقد اثبتت الدراسات والممارسات والتجارب والوقائع اللاحقة صحة ودقة وواقعية هذه الافكار التكوينية الخلاقة التي طرحها عفلق فيما يتعلق بفهم المسألة الدينية ودور الدين في حياة العرب بعد ان تم استغلال الدين وتشويه وتزييف حقائقه وبعد ان خرجت الى العلن الدعوات الطائفية والعصبيات المذهبية والتي اصبحت الان تتصارع علنا في ظل تراجع قومي كبير وبتأثير وايحاء ودفع من دول ومشاريع سياسية تأسست على العصبية المذهبية مثل ايران وحملت دعواتها منذ انطلاق (ثورتها الاسلامية!!) فكرة اشاعة الطائفية وتكفير القومية العربية ودعاتها وخصوصا الحزب الذي اسسه عفلق وتأسس على الفكرة القومية الجامعه وتصدى بقيادة باني نهضة العرب الحديثه الشهيد المجيد صدام حسين لهذه الدعوات النكوصية وهزمها يوم النصر العظيم عام 1988·
لقد تبين وبعد مرور زمن طويل على ماقاله مؤسس البعث المخاطر التي يمكن ان تترتب على تشويه الدين وتزييفه وتغيير حقيقته والاتجار به من قبل بعض الاوساط والاحزاب الدينية الطائفية وخصوصا بعد ما لاحظناه من تسخير هؤلاء للدين ومقولاته لخدمة الاستعمار ومشاريعه في العراق والمنطقة وانخراطهم الكامل في برنامج الاستعمار والاستحمار وقبولهم حوزة (بريمر ومرجعيته وبركاته في العراق)·
وكان الاخطر من ذلك التسويغ الطائفي المرادف الذي قامت به بعض الاحزاب العربية لهذا الارتماء الطائفي في العراق في احضان الاستعمار وذلك لان كل طائفية كما تبدّى العن من اختها حتى وان تغطت بالتحرير وحب فلسطين فالجميع كما ظهر داخل ولاية فقيه واحد يشارك الاستعمار والصهيونية في احتلال العراق واصبح يضحك على ذقون الجميع!!
اما الدين كما اراده مؤسس البعث فهو الحقيقة الراسخة التكوينية في حياة العرب والتجربة الثوريه الانقلابية والمكرّسه في معظم معانيها للنهضة والوحدة والحرية ولا يمكن لهذه الحقيقة ان تكون بأي حال محض اجتهاد سياسي يتغير وفقا لظروف ومعطيات معينة او يخضع لاهواء المجتهدين العابرين وضلالاتهم في بعض الاحيان!
اما الوحدة العربية فهي ايضا بمعانيها ومضامينها ودلالاتها التي طرحها عفلق وسمى حزبه' حزب الوحدة 'لتعظيم قيمها والنضال من اجلها فهي ايضا من الافكار التأسيسية والتكوينية التي اشاعها في الفضاء العربي وجاهد من اجلها اذ انها كانت منطلق وغاية فكرته البعثية وارادها ان تبقى كذلك حتى وان تعرقلت وتعطلت بمؤثرات داخلية وخارجية· فالوحدة لاتغيبها او تلغيها الظواهر القطرية ونزعات الانقسام والانفصال، لابل ان الوقائع القطرية وظواهر التجزئة ومفرداتها اصبحت تؤكد ضرورة واهمية الوحدة ذلك ان الامة المجزأة لن تنتج تاريخا حقيقيا ايجابيا والنزعات الانعزالية لن تحقق للعرب وحدتهم ونهضتهم لابل انها اصبحت تزيد في تشظيهم وشرذمتهم (كما هو حاصل الان) ولذلك فان نقطة انطلاق العرب التاريخية لا بد ان تبدأ وتنتهي بهذه الفكرة الكبيرة والجاذبة والخلاقة والمؤثرة والمحققة لذات العرب وحريتهم·
ان مؤسس البعث يحضر في خيالنا وعقلنا فكرا وممارسة وفي كل لحظات المخاض العربي· واكثر مانراه فيه الان هو رهاناته الواقعية الصحيحة على العراق العربي وامكاناته في انتشال الامة من القعر والعدم الى الوجود· لقد اصبحنا نراه اكثر في المقاومة العراقية وانجازها الكبير·· ونراه في كل اللحظات في فلسطين التي بدأ خطواته الاولى في البعث نحوها وعلى ترابها وانتهت حياته وهو يستلهم من شعبها الدروس والعبر· لقد اعطى فلسطين كل مافيه من جهد وأمل وبقي حتى وفاته لايرى تحريرها مسألة مستحيلة على العرب·· فالوحدة هي الطريق الى فلسطين·· والطريق الى فلسطين هي طريق الوحدة··· انه يحضر فينا الان بقوة لان الامة في محنة وكبد·· وهو يحضر فينا لكي نستمد منه الامل والصبر والتفاؤل!! يحضر فينا الان ولسان حال البعثيين والقوميين في كل انحاء الوطن العربي يقول :
وسوى الروم خلف ظهرك         روم  فعلى أي جانبيك تميل!!



Copyrights © 2003 - 2010 Almajd Newspaper
Developed by: Enterprise Solutions