8/30/2010 الإثنين
سياسية ، عربية ، دولية
السنة السابعة عشرة، العدد 608
الصفحة الرئيسية
مصر·· بعد الثورة وقبل الردة

بقلم: فهد الريماوي

منذ ثمانية وخمسين عاماً، مازالت ثورة المجد الناصري تحضر في عين موعدها، وفي كامل عزتها، وفي تمام بهائها ونقائها·· لا تخلف وعداً، ولا تنقض عهداً، ولا تألو جهداً، ولا تكذب اهلها وعشاقها المخلصين، لان الرائد لا يكذب اهله·
منذ ثمانية وخمسين عاماً، حجزت ثورة 23 يوليو لنفسها شرفة عالية من شرفات التاريخ، وامتلكت مساحة واسعة من موسوعة الوعي القومي، وتبوأت مكانة غير مسبوقة في قلوب الملايين، وشكلت نبراساً وقدوة وقوة مثال لكل احرار العالم، واثارت عاصفة ثورية عاتية زلزلت اركان الصهيونية والرجعية والامبريالية·
منذ ثمانية وخمسين عاماً، عثرت الثورة على فارسها، ومصر على منقذها، والعروبة على قائدها، والحرية على "ناصرها"، والوحدة على ربانها، والاشتراكية على عنوانها، والاخلاق الحميدة على انسانها، والبشرية التقدمية على ضميرها الذي استطاع بالتحالف مع العمالقة تيتو ونهرو وسوكارنو ان يبدع نهجاً ثالثاً بين قطبي الحرب الباردة، هو نهج الحياد الايجابي وعدم الانحياز·
ورغم انطواء كل هذه الاعوام من رزنامة الزمان، ورغم تسارع الايام وتبدل الاحوال بوتيرة تصاعدية محمومة وبالغة الاستعجال، الا ان "ام الثورات" العربية مازالت مالئة الدنيا وشاغلة الناس·· سواء لجهة التأييد والتمجيد من لدن الرابضين في خندق العروبة، او لجهة الشجب والتنديد من قبل العملاء والجهلاء الدائرين في الفلك الامريكي من عرب اللسان والوجدان·
وبقدر ما تشتد الحاجة الى هذه الثورة الرائدة، وتنزف القلوب الطاهرة تحسراً عليها، جراء تهلهل الاوضاع العربية، وتوالي الانكسارات السياسية والعسكرية·· بقدر ما تستعر الهجمة الاعلامية عليها، وتتعدد المنابر المكرسة لتشويهها والنيل منها، ليس فقط على ايدي القوى الرجعية واليهودية والصليبية المعهودة، بل ومن لدن قوى وجماعات جديدة قوامها سماسرة النفط والبزنس والفساد، التي تختلف - عبر فضائياتها - حول الكثير من الامور، غير انها تتفق بالجمع والجملة على مهاجمة ثورة يوليو وقائدها، شأن ما يفعل كلب فضائية الجزيرة المعواء احمد منصور·
لو لم تكن هذه الثورة المجيدة ناراً مازالت تشتعل تحت الرماد·· لو لم تكن نوراً مازال يتوهج في الضمير العام·· لو لم تكن املاً مازال على موعد مع المستقبل العربي·· لو لم تكن بعبعاً مازال يخيف رعيان الجهل والنفط، لما تجشم الحاقدون والمرتدون والفاسدون مشقات الحرب الضروس الدائرة ضد هذه الثورة ومفجرها الشجاع لاكثر من نصف قرن·· والحبل مازال على الجرار·
لو لم تكن ثورة المجد الناصري اقوى من كل اعدائها والخارجين عليها، لما بقيت صامدة في حومة الفعل والفكر، فيما ذهب اولئك الزناديق الاوباش، يتقدمهم الخائن السادات، الى مزبلة التاريخ·· لو لم يكن "ناصرها" ومهندسها اكبر من كل المناوئين له والمتحاملين عليه، لما باءوا بغضب من الرب ولعنة من الشعب، فيما بقي "ابو خالد" رمزاً حاضراً في كل الاوقات، وبقيت صوره رايات خفاقة في كل المظاهرات، وبقيت نضالاته الجسورة مشاعل ارشاد والهام لكل الثورات، وبقيت مقولته "ما اخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة" شعاراً دائماً يتردد في كل المناسبات·
لو لم تكن 23 يوليو ثورة مصرية وطنية اصطفت لاستقبالها الاهرام والنيل وابو الهول·· لو لم تكن ضرورة تاريخية توفرت لها كل اسباب النجاح ودواعي الانتصار·· لو لم تكن حتمية قومية انضجتها الهزائم والنكبات العربية، واستدعتها الاشواق والتطلعات الشعبية، لما اصبحت بين عشية وضحاها رافعة نهضوية عملاقة، ولما التفت حولها الجماهير الشعبية من المحيط الى الخليج، ولما تحولت مصر الناصرية بفضلها الى قلعة نضال، وقبلة احرار، وقاهرة استعمار، واكبر لاعب اقليمي في الشرق الاوسط، وابرز الارقام الصعبة والمحورية في سائر المعادلات الدولية·
وليس من شك ان مصر السادات ومبارك قد اغتالت نفسها حين اغتالت دورها·· انكرت حقيقتها وموجوديتها حين تنكرت لثورتها·· خرجت من الجغرافيا والتاريخ حين خرجت على تعاليم معلمها "وناصرها"·· باتت "جملة اسمية" ووهمية حين كفت عن ان تبقى "جملة فعلية" وثورية·· فقدت وحدتها الوطنية ومكانتها الدولية حين فقدت رسالتها القومية وبوصلتها الناصرية، وارتضت الاذعان لمعاهدة كامب ديفيد، والارتهان لدولارات المعونة الامريكية، والاكتفاء بالمراوحة في حالة انعدام الوزن·
وفيما تتقدم ايران بخطى ثابتة وشجاعة نادرة لدخول النادي الذري، وفيما تعود تركيا اردوغان الى سابق مجدها القديم وعزها الامبراطوري·· تتحول مصر مبارك الى عبء على شعبها، وتنوب عن الآخرين في هزيمة نفسها، وتشجع اللصوص والسماسرة والفاسدين على سلبها ونهبها، وتتصاغر بخصوص منابع النيل، امام اشباه دول من فصيلة ارتيريا والحبشة والدجاجة وما تبقى في حظائر الطيور الداجنة·
وعليه، فالراجح ان مصر المباركية لا تختلف كثيراً عن مصر الملكية او حتى المملوكية، وان حجم الخراب المتفشي فيها بعد الردة لا يختلف عما كان عليه قبل الثورة، وان حالة الاستعصاء على التغيير في الوقت الراهن لا تختلف عنها في العهد الملكي، حيث عجزت النخب القيادية والجماهير الشعبية والوسائل السياسية آنذاك عن اجتراح فعل التغيير، وتخليص ارض الكنانة من جلاوزة الفساد والاستبداد·· الامر الذي القى على الجيش المصري، باعتباره مؤسسة وطنية قادرة ومنظمة، مهمة التغيير والتطهير، من خلال ثورة الضباط الاحرار المتحلقين حول رأسهم ورئيسهم المقدام، جمال عبدالناصر·
لقد شكك الكثيرون في ضرورات ثورة 23 يوليو، وزعموا انها قد حرقت المراحل، وقطعت السياق الطبيعي للتطور السياسي المصري، واقحمت الجيوش في ميادين السياسة والعمل العام، وشجعت الكثير من الضباط العرب على اضرام الثورات والانقلابات العسكرية·· غير ان واقع الحال المصري - وربما العربي - الراهن والآسن، واستعصاء فرص التغيير والتطوير بالوسائل السلمية والاساليب الانتخابية والديموقراطية، جراء تغول الانظمة الحاكمة على شعوبها المغلوبة على امرها، يثبتان ان ثورة يوليو لم تكن ضرورة تاريخية فحسب، بل ضرورة حالية ومستقبلية ايضاً·
لقد نجح النظام المصري والعربي في الجمع بين السلطة والثروة، وتطويع الجماهير بواسطة العصا والجزرة، ومنع التداول السلمي والحضاري للسلطة، واخراج الجيوش من العمل السياسي والعسكري، وحراسة المصالح الامريكية والصهيونية بكل ما اوتي من قوة، حتى لم يعد امام الشعوب المقهورة سوى ضرب رؤوسها بالحائط، والتحسر على زمن عبدالناصر الذي اعترف الخبراء الصهاينة قبل بضعة ايام انه مازال صاحب اكبر شعبية عربية حتى بعد اربعين عاماً على رحيله، ولحين ظهور القائد المجاهد حسن نصرالله الذي ورث قسطاً كبيراً من هذه الشعبية الاسطورية·
رحم الله "ابا خالد"، وعاشت ثورة 23 يوليو المظفرة !!

حول صناعة الشهرة وهندسة النجومية

الشهرة عطر الاعمال العظيمة
                                  (ديجول)

الشهرة، اعلى مراحل العلنية·
الشهرة، حبة يحولها النفخ الاعلامي الى قبة·
الشهرة، هالة من الاضواء والضوضاء تطلقها مكبرات الصيت والسمعة·
الشهرة، فضيحة مدوية، ولكن بأشكال وردية، وانغام شجية، وانفاس عطرية·
الشهرة، اسراب من "ال التعريف" تحلق بعيداً، وتتوالد تباعاً، بفضل فن التسويق وصناعة الاهمية·
للشهرة سحرها البالغ، وجاذبيتها الهائلة، وعذوبتها العابرة لكل الاذواق والاشواق·· ورغم انها ليست طعاماً او شراباً، وليست مالاً او عقاراً، وليست فكراً او شعراً او معتقداً، الا انها محط انظار البشر، ومحل اقبالهم واحتفالهم، وموضع تقاطرهم وتهافتهم بأشد من تهافت الفراش على الاضواء، وتقاطر النحل على الازهار، وتسابق الطيور الظامئة على الغدران·
وقد حفظ لنا التاريخ اسماء الالاف المؤلفة من الاعلام والمشاهير، بدءاً من الثنائي ادم وحواء اللذين هبطا من جنان النعيم الى ارض الخطيئة، ومروراً بالكثير من الانبياء والحكماء والعظماء والادباء والشعراء والعلماء والفنانين الذين سعى بعضهم سعياً محموماً نحو الشهرة، فيما سعت الشهرة ذاتها نحو البعض الآخر الذي استحقها دون ان يطلبها، واستهواها دون ان يحفل بها·
ربما تكون الشهرة تعبيراً عن الانوية او الانانية او حتى الشهوة البشرية·· شهوة العظمة والتميز واثبات الوجود، فالانسان ميال بطبعه وفطرته لان يكون معروفاً ومشهوراً يشار اليه بالبنان، وتسير بذكره الركبان، وتحف به آيات الاعجاب، وتحوم حوله وسائل الاعلام، وتنأى عنه بواعث الاهمال والنسيان·· وفي هذا المعنى يقول اوسكار وايلد : "هناك ما هو اسوأ من ان يتكلم بحقك الناس، وهو الا يتكلموا عنك قط"·
الشهرة فعل ادمان، فكثيراً ما يتحول المشاهير الى عبيد لشهرتهم، ومتعبدين في محرابها، وظامئين للمزيد منها، وسكارى بخمر حلاوتها، وخائفين من افولها، ومستميتين في ادامتها وتنميتها والدفاع عنها، انطلاقاً من ادراكهم ان الاحتفاظ بالشهرة اصعب من الحصول عليها، وان البقاء فوق القمة اقسى من الوصول اليها، مصداقاً لقول برنارد شو : "يمكن للمرء ان يصعد اعلى القمم، ولكن لا يمكنه البقاء هناك طويلاً"·
ورغم ان امير الشعراء احمد شوقي يعتبر الشهرة شمساً تطوي كل العيوب حيث يقول : "تغطي الشهرة على العيوب، كالشمس غطى نورها على نارها"، الا ان هناك من يرى العكس، ويعتقد ان الشهرة قيد على الحرية يحد من حركة اصحابها على الصعيد العلني، ويحول بينهم وبين ابسط المسالك والاعمال التي يمارسها الناس العاديون، ربما لان من شأن الشهرة ان تستدعي المسؤولية وتحيل اليها، وبقدر ما تتسع آفاق الشهرة وتلتمع هالاتها وانوارها، بقدر ما تتعاظم درجة المسؤولية النوعية المواكبة لها، واللازمة لادامتها وحمايتها·· ومن هنا جاء قول احد الحكماء الظرفاء : "يقضي المرء نصف حياته في طلب الشهرة، فاذا بلغها قضى نصف حياته الآخر في الفرار من جمهوره"·
اما على المستوى النفسي او السيكولوجي، فللشهرة فعلها البالغ وتأثيرها العميق، ليس باتجاه واحد بل باتجاهين مختلفين·· الاول يتصل بالمشاهير انفسهم الذين غالباً ما تسكرهم الاضواء، وتبهرهم الهتافات، وتعبث بعقولهم وقلوبهم وسائل الاعلام، وتستبد بهم اوهام العظمة والخيلاء والغرور·· بينما يتعلق الاتجاه الثاني بجمهور المعجبين بالمشاهير الذي غالباً ما يتحول تحت وطأة الضغط النفسي والعصبي للشهرة، الى كتلة صماء وعمياء من المريدين والدراويش والمتعصبين لنجومهم واعلامهم ورموزهم، سواء في عوالم الفن او السياسة او الرياضة او الادب·· وكم كان الممثل الامريكي المعروف كيرك دوغلاس مصيباً وبليغاً حين قال : "عندما تصبح نجماً شهيراً فليس الذي يتغير انت فحسب، بل الناس ايضاً"·
طبعاً، الشهرة ثروة معنوية نفيسة، ولكن من السهل ترجمتها الى ثروة مالية ونقدية، خصوصاً وان بين الشهرة والثروة علاقة جدلية وطيدة وشديدة·· فكثيراً ما تتولى الشهرة تعبيد دروب الثروة، وبالمقابل كثيراً ما تتسخر الثروة لشراء الشهرة وصناعتها·· وهذه المسألة تستحق التوقف عندها ملياً·
زمان كانت الشهرة ظاهرة عفوية وطبيعية تتحقق تلقائياً وتدريجياً بفضل الصفات المتميزة، او الابتكارات المدهشة، او المواقف الحاسمة، او الاعمال الجليلة والاستثنائية لاصحابها·· فهي حصيلة طبيعية وهالة من الاضواء والاصداء لكل تلك المواقف والاعمال والابداعات دون حاجة الى الكثير من توابل التصنيع والتلميع والتعظيم·· غير ان تغول الميديا، وانتشار وسائل الدعاية والاعلام في العصر الحديث سرعان ما اديا الى ظهور فن صناعة الشهرة الذي بات يمتلك خبراءه وتقنياته وفباركه وكل ما من شأنه الاسهام في صنع التألق والشعبية والنجومية والاشهار والابهار·
زمان كانت مساحة الشهرة تتكافأ مع اهمية صاحبها، حيث يشتهر بقدر ما لديه فعلاً من الاهلية والاهمية والروح الابداعية·· اما اليوم، وبعد ان اتجه كبار الاثرياء لاكتساب النفوذ والشهرة والشعبية بقوة المال وليس المواهب والمواقف والكفاءات، فقد اختلفت الاسس والمعايير والقياسات، وبات في مقدور مصانع الشهرة، وخبراء النفخ الاعلامي تحويل الحبة الى قبة، والحقير الى نجم شهير، والرعديد الى فارس مجيد، والنكرة الى عَلَم في رأسه نار، ورجال البزنس وسماسرة النفط الى ابطال وزعماء ومناضلين ومفكرين تحف بهم شهرة جاهزة مسبقاً، وتساندهم شعبية مفبركة وملفقة ومدفوعة الثمن·
بالمقابل هناك العديد من العظماء والعلماء والادباء الحقيقيين الذين زهدوا في الشهرة، ورغبوا عنها، وهربوا منها، مثلما فعل اديب روسيا العظيم تولستوي الذي فر من معاقل الشهرة الى مجاهل السكك الحديدية النائية، وشأن ما فعل من قبله خيرة علماء وكبراء السلف الصالح احتقروا الشهرة حتى قال الحسن البصري : "كفى بالمرء شراً ان يشار اليه بالاصابع"، فيما قال ايوب السختياني : "ذُكرتُ وما احب ان أذكر"·
وبعد·· فقد اعجبني في موضوع الشهرة قول طريف لشخص اسمه اندي وارهول جاء فيه : "في المستقبل القريب سيكون كل انسان مشهوراً، ولكن لمدة 15 دقيقة فقط" !!

remawifahid@gmail.com

 



Copyrights © 2003 - 2010 Almajd Newspaper
Developed by: Enterprise Solutions