
بقلم: نبيل ايو جعفر
مضى اكثر من الشهر على زيارة الحريري لدمشق وقد تجاوز اللبنانيون الحديث عما دار فيها بعد أيام معدودة ، وأصبح تركيزهم على النتائج المرتقبة بعد فتح صفحة جديدة من العلاقات· فما بُحث في اللقاء المطول مع الرئيس الأسد أصبح معروفاً، وما قاله سعد الحريري باعتباره رئيس وزراء حكومة الوحدة الوطنية، التي توافقت عليها قوى الأكثرية النيابية المعروفة بجماعة 14 آذار، وقوى المعارضة (8 آذار)، يكفي ويزيد حول المواضيع التي تمّ بحثها، وتلك التي جرى استبعادها حرصاً على الأهم والأكثر أولوية·
ومثل أي حدث وموقف، ظهر الإختلاف بيّناً في مواقف القوى والأحزاب اللبنانية المختلفة، وبرزت الخلافات حول التوقّعات المرتقبة، وتباينت الآراء والتي ما زلنا نسمع الجديد منها كل يوم بين المتفائلة الواثقة بعودة الأجواء الأخوية التاريخية وتجنب ما شابَها من عثرات وأخطاء، وتلك المشكّكة بأي تحسن، الجازمة بعدم إمكانية التلاقي مع "السوريين"!
وفي محاولة منهم لتمرير موقفهم السلبي المغالي في التشاؤم بعبارات ملطّفة وملغومة في آن ، يقول التيّار الإنعزالي المتشدّد داخل جماعة 14 آذار، أن "كل ما تمّ بحثه في دمشق لا قيمة له إذا لم تُثبت سورية حسن نواياها، وتؤكد عزمها على التعامل بأسلوب مختلف عن السابق مع لبنان"! وجاءت تصريحات هؤلاء بعد أن استفزّتهم انطباعات الحريري التفاؤلية حول الزيارة، خصوصاً قوله أنه لم يرَ إلاّ كل إيجابية من الأسد فيما يتعلق بكل المواضيع التي تهمّ البلدين·
بين السفير والنهار ضاعت طاسة الآراء!
ومثلما اختلفت مواقف القوى السياسية كان من الطبيعي أن تختلف آراء ومواقف الصحف اللبنانية، المختلفة المشارب والاتجاهات· بعضها الأول ارتأى في خطوة الحريري الجريئة فتحاً لصفحة إيجابية تُبشّر بالخير، "كقول صحيفة "السفير" الملتزمة خط المقاومة وقوى المعارضة ان "خمس سنوات من القطيعة والعداء بين الحريري ودمشق، احتاجت فقط إلى 52 دقيقة (أي رحلة الطيران بين بيروت ودمشق) لكي تطوي صفحتها بمعظم مراراتها وجروحها، عندما توفّر القرار السياسي والإرادة الجادّة"·
ولم يفت "السفير" رغم استبشارها ونظرتها الإيجابية لما حصل أن تشير في تحذير واضح من أن تكون "الرحلة طويلة ومضنية على طريق مزروعة بالألغام والأحقاد ومصالح الآخرين وطمع العدو"·
بعد يوم واحد على هذا الكلام جرى استهداف باص يقل عدداً من العمال السوريين في منطقة دير عمار بشمال لبنان، أدّى إلى مقتل أحدهم، وكان قد سبق هذا الحادث الإجرامي بأربع وعشرين ساعة إحراق مركز لحزب البعث (السوري) في منطقة الكولا ببيروت الغربية، الأمر الذي أثار الشبهات ولفت الأنظار الى توقيته وهدفه، وهو ما دفع وزير الداخلية اللبناني زياد بارود الى التصريح عمّا لهذه الحوادث من دلالات، وطلب التحرّي عن "الفاعلين والمحرّضين والمتدخّلين فيها"· كما قال بالنص·
أما البعض الآخر من الآراء فلم يخرج عن نهج التيارالمغالي في التشدّد الإنعزالي ، وكمثال على ذلك نقرأ بالنص جانباً مما ورد في صحيفة "النهار" (أخت السفير على الجبهة الأخرى) قالت فيه "إن عامل الثقة يبقى مفقوداً بالنسبة إلى غالبية اللبنانيين في العلاقات مع سورية، ما لم تبدأ في تنفيذ خطوات تؤكد تغيير قناعاتها بتعامل مختلف مع لبنان"! والذي يدقّق في هذا النص يرى أنه يتطابق حرفياً مع الكثير من التصريحات التي أدلى بها رموز هذا التيّار، وحتى مع ما نسبه بعض المجهولين الى البطريرك بطرس صفير، وهم الذين تخصّصوا منذ فترة ليست قصيرة بإصدار بيانات في العواصم الغربية ، تحمل أسماء اتحادات ولجان ــ لا وجود لها على الأرض ــ امتهنت التحريض ومحاولة شق صف اللبنانيين·
الرأي السعودي في ميزان الأكثرية
هنا تجدر الملاحظة أن قوى 14 آذار - كما 8 آذار - عبّرت عن ترحيبها بزيارة الحريري إلى دمشق قبل حصولها نظراً لكونه رئيساً لحكومة تضم الجميع، وانطلاقاً من أن السعودية حليفة الأكثرية النيابية هي التي ساهمت في إعداد الأجواء لهذا اللقاء، إلى درجة كشف النائب الجديد المحسوب على الأكثرية صقر صقر ، في معرض تفسيره سبب ذهاب الحريري بمفرده الى العاصمة السورية ، بالقول "إن الخيار كان بين عقد لقاء ثنائي بين الأسد والحريري، أو لقاء مع وفد يرافق رئيس الوزراء ، لكن "الرأي السعودي" ارتأى أن اللقاء الثنائي أفعل وأفضل وأقوى"·
واضح أن هذه المعلومة استقاها صقر من الحريري شخصياً · وتأكيداً على ذلك وعلى دور السعودية في تحقيق هذا اللقاء ورأيها في صيغته الثنائية، اعتبر الحريري بعد عودته من دمشق أن لقاءه مع الرئيس الأسد قد أتى في سياق اللقاءات السابقة لأجل إتمام المصالحات العربية التي بدأها "خادم الحرمين الشريفين" في قمة الكويت، وأن السعودية لعبت بلا شك دوراً كبيراً ونحن نكمل هذه الأسس·
ولكن ذلك لا يمنع من القول أنه إذا كانت السعودية قد مهّدت فعلاً لهذا اللقاء الذي تحقّق بعد أيام من زيارة الملك عبد الله لسورية، إلاّ أن موقفها لم يتطابق بطبيعة الحال مع كامل الموقف السوري تجاه لبنان، تماماً مثلما "لم يغيّر الحريري جلده"، على حدّ تعبير نفس النائب المحسوب عليه ، وهذا ما ظهر جلياً في بعض وسائل الاعلام السعودية، وهو الذي ساعد لاحقاً على سرعة إشهار المتشددين موقفهم غير الواثق بالمرحلة الجديدة، وتخوّفهم من الإتفاق الشفهي دون التنفيذ "!!"
ولعلّ أوضح تعبير عن هذا الموقف تذكير صحيفة "الشرق الأوسط" السعودية الصادرة من لندن قرائها بأن "الخلاف بين الموقف السوري وموقف مجموعة من التيارات والقوى السياسية اللبنانية جوهري بامتياز"·
أما سبب جوهرية الخلاف فيعود في رأيها إلى أن "النهج الذي تروّج له سورية يأخذ من الخيمة القومية الواسعة" ذريعة للإمساك بالكثير من الأوراق"، أو للتأكيد على أن دوافع التجزئة في لبنان خطأ تاريخي· وهذا يعني - في نظر الصحيفة السعودية - أننا أمام حالتين متناقضتين أفضتا الى تعايش غريب·
أما بعد فتح صفحة علاقات جديدة بين البلدين "فلا أحد يستطيع الجزم ماذا ستحمل هذه الصفحة وكيف ستُغيّر، ومن"!
عملية استغلال أحداث ما بعد اللقاء
مضمون هذا الطرح وتوقيت نشره - ونشر ما يشابهه - في صحيفة سعودية دولية شكّل في نظر رموز التيار المتشدّد دعماً لموقفهم التشكيكي ، وشجّع بالتالي على تكرار الحديث الموحّد اللهجة وحتى بعض المفردات عن ضرورة التزام سورية بعلاقات جديدة وفهم جديد"··· إلى آخر الاسطوانة سالفة الذكر· كما استُغل من قبلهم إلى أبلغ الحدود، خصوصاً بعد محاولة اغتيال ممثل حركة حماس في لبنان أسامة حمدان التي تلت حادث الباص للتأكيد على استحالة أن يهنأ لبنان ما دامت جذور الخلافات مستمرة مع السوريين على العديد من القضايا ومنها سلاح حزب الله والتواجد الفلسطيني" ··· وغير ذلك· لا سيما وان محاولة استهداف حمدان بتفجير سيارته قد حصل أمام مكتبه في الضاحية الجنوبية "الواقعة تحت سيطرة حزب الله" حسب تعبير المتشددين الذين يشبّهونها دوماً بضاحية الفاكهاني التي كانوا يطلقون عليها اسم "دولة أبو عمار"· وقد دفعت هذه الحادثة رئيس القوات اللبنانية سمير جعجع الى السؤال عن سبب وجود مكتب لحماس في الضاحية، وما شرعية هذا الوجود!؟
والأخطر من ذلك أن عملية التشكيك التي تزامنت مع أعمال إجرامية مشبوهة المصدر، وإن كانت معروفة الأهداف، قد دفعت مجموعة أخرى من الموتورين الذين يضربون على وتر التهديد والتفوّق الإسرائيلي إلى القول أن الهدف الآخر من محاولة اغتيال حمدان إرسال رسالة الى حزب الله تفيد أن ضاحيته غير محصّنة، وان الموساد الإسرائيلي قادر على الوصول إليها·
تهويل وتلفيق أكاذيب
وباختصار، تمّ استغلال هاتين العمليتين اللتين تحملان بصمات صهيونية، أو لبنانية متصهينة، للتأكيد على أن ما بَشّر به الحريري حول الاتفاق مع الرئيس السوري على القيام سوياً بخطوات عملية لمصلحة البلدين لا أساس له على الأرض، وأن ما بشّر به أيضاً الرئيس ميشال سليمان بعد عودته هو الآخر من دمشق، حول هدوء الأوضاع وعودة الإستقرار وان سنة 2010 ستكون - إن شاء الله - سنة خير على جميع اللبنانيين ليس إلاّ تمنيّات، وأن التوافق اللبناني - السوري، ليس إلاّ سراباً!
تحت ضجيج هذا النعيق التشاؤمي الذي لا يكاد يُصدّق من شدّة غرابته، عادت ماكينة إعلام اللوبي اللبناني في المهجر إلى دسّ السموم من جديد، فبدأت تتحدث عن فلتان الأمن في ضاحية حزب الله والمخيمات الفلسطينية، وعادت تنسب للبطريرك الماروني بطرس صفير كلاماً لم يُسمع منه، ولم يُنقل عن لسانه بهذه الصيغة، مفاده أنه من السابق لأوانه الحديث عن عودة الثقة وإيجابيات المرحلة المقبلة مع سورية وإزالة الغيوم الملبدة مع البطريركية، ما دامت دمشق لم تُثبت بالفعل لا بالقول الوفاء للإلتزامات التي قطعت للحريري في دمشق !
عودة ماكينة الإعلام الإنعزالي إلى فبركة الأكاذيب ودسّ السموم بين اللبنانيين، بهدف الإساءة لسورية والتشكيك بجدوى المقاومة ، وتصويرها مصدراً لخراب بلد السياحة والاصطياف واللهو، ردّ عليها نعيم قاسم، نائب الأمين العام لحزب الله، بالقول ان اعتماد النهج الدبلوماسي في حل الصراع واسترداد الحقوق قد ثبت فشله، والدليل بقاء القرار 524 الذي يدعو الكيان الصهيوني الى الانسحاب مرمياً في الأدراج 22 عاماً حتى الآن، ونصح دعاة الدبلوماسية الى المبادرة لمشاركة إخوانهم في الدفاع عن لبنان وتحرير أرضه·
زوبعة في فنجان نصر الله
كلام قاسم جاء توطئة لخطاب الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله الذي كان أكثر صراحة وتحديداً، وقد أثار زوبعة من الاعتراضات والانتقادات من قبل رموز التيار المتشدّد في تكتل 14 آذار، ولا سيما "القوات اللبنانية" وحزب "الكتائب" وبعض المتأرجحين في مواقفهم بين هؤلاء و"تيار المستقبل" الذي يتزعمه الحريري·
وقد تركزّت هذه الإعتراضات على دعوة نصر الله في كلمته التي ألقاها في ذكرى عاشوراء المسيحيين إلى حوار هادىء حول الخيارات الدولية والمستقبلية - وعنى بذلك الجناح المتشدد منهم في تكتل الأكثرية قائلاً إن البعض لا يُريد للمسلمين أن يكونوا على وفاق فيما بينهم، ولا يريد ذلك للمسيحيين أيضاً، ودعا المسيحيين المختلفين على موقف واحد إلى التيقن بأن مصلحتهم في لبنان الموحد وليس في مكان آخر، ومن مصلحتهم الانفتاح والتكامل مع باقي اللبنانيين وعدم الإنجرار وراء من يريد دفعهم الى الانتحار· وهذا كلام يُفترض أن لا خلاف عليه سواء اختلف المرء مع قائله في اطروحات ومواقف أخرى أم لم يختلف ·
ومع ذلك ، ومن لحظة إلقاء خطابه حتى هذه اللحظة ، لم يتوقّف سيل الاعتراض والاستهجان الذي تدفّق بغزارة أكثر على ألسن ممثلّي "القوات اللبنانية" وحزبي الكتائب والأحرار (جماعة شمعون)· حيث اعتبرها بعضهم تحذيراً مرفوضاً كأن نصر الله يقول "من لم يكن معي فهو ضدّي"! ورأى فيها بعضهم الآخر "مضبطة اتهام الى المسيحيين ودورهم"··· بينما اعتبرها النائب الخارج عن النهج الانعزالي نبيل نقولا "إنها تصبّ في خانة التفاهم والتهدئة والحوار، لأنه لا يمكن لبعض المسيحيين أن يعدّوا أنفسهم خارج الوطن ويستمرّوا في علاقات خارجية يرون أنها تحميهم"·
المهم والمؤسف في آن أن صفحة أخرى من الخلافات اللبنانية الداخلية قد حلّت محل الصفحة القديمة - الجديدة، وستبقى تتفاعل الى ان يجري فتح غيرها، وكلها صفحات متغيرة في الشكل ، ثابتة في المضمون··· وهكذا دواليك ! !