8/30/2010 الإثنين
سياسية ، عربية ، دولية
السنة السابعة عشرة، العدد 608
الصفحة الرئيسية
الشهيد المجيد صدام حسين ·· نحو قراءات تصحيحيه !!

بقلم: اسماعيل أبو البندورة

في الذكرى الثالثة لاستشهاد القائد العربي الشهيد المجيد صدام حسين نقرأ تاريخا جديدا وصورا وحالات عربية جديدة فيها إشارات واضحة على ان تغييب القيادة العربية المؤمنة وتفريغ الوطن العربي من إرادته وقواه النهضوية كانت من ضمن أو على رأس جدول أعمال المشروع الاستعماري الكبير لاقتحام حصون هذه الأمة وتدمير ثوابتها وذلك من خلال تغييب رموز نهضتها وحريتها واستنبات قيادات عميلة وتابعة تحقق للمشروع الاستعماري أكمل متطلباته ومطامعه في الاتباع و الاستعمار و الهيمنة ·
ولأن قيادة الشهيد صدام حسين ارتبطت بمشروع قومي متكامل شمولي ومفتوح على آفاق التغيير وتأسست على مرجعية قومية واضحة احيائيه ونهضوية و انبعاثية وقادت قطرا عربيا ذا إمكانيات بشرية ومادية هائلة فقد جاء استهدافها ليشكل هدفا وخطوة على طريق تحقيق أهداف أخرى أكثر تخريبا وشرورا ذلك ان تقويض المشروع وفقا للرؤية الاستعمارية يتطلب تقويض رموزه وتفريغ دوائر الفعل فيه وإحداث انقطاع في سياقات ومسارات النهوض والانبعاث العربي  وإعادة الأمة إلى المربعات الأولى وما قبلها·
والشهيد صدام حسين كان بهذه المثابة شخصا وفكرة في آن، إذ اجتمعت فيه المزايا و السمات الشخصية و الكاريزما التي تؤهله لقيادة مشروع عربي نهضوي، وتوفرت له عوامل تحريك البؤر الايجابية في عقل الأمة وواقعها، ولأنه ارتبط بفكرة قومية جامعة فقد جاءت ممارساته السياسية تجسيدا لهذه الفكرة والتحاما أبديا ملحميا بها وأصبح هناك امتزاج واضح بين الشخص وفكرته و قضيته إذ كانت الفكرة تتحرك مع الشخص في تناغم واضح جعل منه حالة استثنائية في القيادة و التدبير و المواجهة و التحريك و التحدي وجعل من الشخص وفكرته حالة متداخلة لا يمكن وضع حدود فاصلة بين أطرافها ·
وعندما يرى القوميون الشهيد صدام حسين بهذه الأبعاد المتداخلة أو عندما يؤشرون على دوره ومكانته الفردية فانهم يضعونه في سياقات القيادة الاستثنائية التاريخية المناضلة التي قادت العراق خلال الفترات الصعبة ولا يميزون بين دوره وأدوار الآخرين إذ إن الرئيس-الشهيد كان قائدا لفريق متناغم تجمعه العقيدة و المناقبية و التضحية و كان لكل دوره في تحقيق الغايات الكبرى وما كان الشهيد إلا مكتشفا للطاقات ومحركا للايجابيات وكاشفا عن القدرات وحافزا للإرادات ، وكان تميزه في استخراج الفعل من هذه التناغمات ولذا بدا وأركان قيادته في الأسر وفي مواجهة الموت نشيدا عربيا قوميا متناغما وحالة واحدة ملحمية تتعاضد في مواجهة المصير وتتحدث بلسان عربي أمين ولغة عربية جمعية واثقة واضحة لا حدود فيها بين فرد وآخر إلا بذلك الإيثار الفائر والكاريزما التي تميز أحدهم عن الآخر ·
إن "عالم صدام حسين" الذي روج له العملاء وحثالات المعارضة العميلة التي شاركت في احتلال العراق بشكله المتخيل القبيح سقط أمام عالم صدام حسين الحقيقي والواقعي الذي تجلى و تبدى في صموده واستشهاده وصمود واستشهاد رفاقه وبدا هذا العالم الصدامي القريب من الملحمي و الأسطوري مبددا لكل الروايات و التلفيقات التي دبرت وحيكت في مطابخ الإعلام الاستعماري الصهيوني فأنشأ ذلك مفارقة وشقاء في وعي العملاء ومن لف لفهم إذ اسقط "الدكتاتور المتخيل" دكتاتور ودكتاتورية الدولة الفاشية الغازية وأظهر حقيقتها الغائبة و المتلفعة بترهات الديمقراطية الزائفة وأسقط من يد العملاء الذين جاؤوا لحكم العراق من بعده أكذوبة الدكتاتورية والمظلومية إذ أصبحوا هم صناعا لهذه الظلامية و الطائفية و الدكتاتورية واستباحة الوطن وتحليله للأعداء وتفتيت الدولة و المجتمع وإعادة البلاد إلى ما وراء التاريخ ·
القوميون وهم يباشرون الآن تصحيح القراءات الآثمة والغافلة التي سادت لزمن طويل عن الشهيد صدام حسين يبادرون في الآن نفسه الى اجتراح قراءة جديدة تريد تقديم رواية حقيقية عما كان وعما بدا من ضلالات وافتراءات واختلا قات وذلك من أجل مباشرة عملية وضوح وإيضاح للرؤية ولا يقدمون عملا ابتذاليا - دعائيا يريد الدفاع عن أشخاص وتجارب قومية هي محط نقد ومراجعة ومساءلة دائمة وهم في الآن نفسه يضعون تجربة الشهيد صدام حسين وقيادته ودوره ومسارات نضاله في ميزان العقل و النقد وإطاراته لكي يُقرأ فيها ما يؤسس للمستقبل وابتداء القراءة القومية الموازية التي تعبر عن الفكر القومي الاستقلالي المركب لا عن الأفكار السائدة و الملوثة أحيانا والمدعومة بالقوة الإعلامية والمادية الهائلة و التي أصبح أحد أهدافها الكبرى تفكيك المرجعيات الجامعة  وتسفيه وشيطنة الرموز القومية والانحدار بالعقل العربي إلى أدنى المستويات و إشاعة وعي شقي هو من متطلبات عملية التذرير و التفكيك و القابلية للاستعمار و الهيمنة · ولذا ينشئ القوميون في ذكرى استشهاد أحد رموز النهضة و الحرية روايتهم السياسية الجديدة الطالعة من هذا الركام الضبابي الهائل الذي عملت على إشاعته قوى الاستعمار و الردة في الوطن العربي ، ويفندون في الآن نفسه معطيات هذا الفكر الشائه الملتبس المتغطي بمسوح الموضوعية أحيانا و المركزية و الاستكبار الثقافي و يباشرون نقدا لتجاربهم بتبيان ايجابيات وسلبيات هذه التجارب بغية وضع هذا النقد في خدمة حاضرهم ومستقبلهم وهم في كل ذلك لا يؤلهون ولا يؤسطرون رموزهم وإنما يحاولون أن يضعوا رموزهم في مكانها الصحيح من الفكر و الواقع ولكي يسخّروا كل ذلك في رسم صورة حقيقية للمخاضات التي تمر بها أمتهم وتبيين الخيط الأبيض من الأسود في الواقع و الفكر و اشتقاق رؤى  وخرائط واضحة لمسيرة نهضتهم وتحدياتهم وخياراتهم ·
القوميون الآن يرون تجربة قائدهم ورمزهم الشهيد صدام حسين على انها كانت محاولة ومرحلة استأنف فيها العراق بقيادته الظافرة الاستشهادية تجارب النهضة العربية التي بدأت منذ محمد علي ومرورا بعبد الناصر ولم تكن تجربة قطرية مغلقة ولذا كان الالتفاف حول هذه التجربة خيارا شعبيا قوميا أكثر منه اتباعا وتأييدا لنظام سياسي أو قائد كاريزمي ورأى الناس في هذه التجربة الغابة بأشجارها كافة ولم يروها أشجارا متفرقة وانتقد الناس التجربة و اختلفوا معها في أكثر من مكان إلا إنها بقيت تطلعا جمعيا وساحة استشرافية جاذبة ومُوحدة وكان الحوار القومي مع التجربة من منطلق تعزيزها ورفدها بأفكار قوى وارادات سياسية- معرفية وادراكات وتبصرات تجعل منها نموذجا إرشاديا تخف فيه التناقضات وتنسجم فيه الفكرة مع الممارسة ويكون العراق بهذه الحالة مساحة قومية محررة تنطلق منها قوى الحرية و النهضة ·
ويرى القوميون الآن إن قوة الهجمة الاستعمارية التي تكالبت لإسقاط هذه التجربة وبعض الفراغات و الأخطاء والممارسات و التناقضات الداخلية فيها تضافرت  لإحباط حراكها في أكثر من مجال وأسهمت في عرقلة بعض بنود برنامجها الهامة لكن التجربة ذاتها لم تجد الوقت و المناخ الملائم للمراجعة و اعادة النظر في بعض ممارساتها إذ أنها كانت تخرج من تحد وصراع مفروضا عليها لتدخل في آخر الأمر الذي جعل الظروف الاستثنائية المتعلقة بالبقاء والوجود و الحفاظ على الكيانية الوطنية تطغى على المناخات الاعتيادية التي يتم فيها الحوار حول السلوك و الممارسات السياسية وبنية السلطة وتكوينها ومآلاتها ودمقرطتها و السعي لجعل التجربة تجربة شعب و امة لا تجربة فئة أو حزب معين · ومن المعروف انه في أحوال الحرب و التحديات الاستثنائية تتقدم متطلبات البقاء الصاخبة على مقتضيات الحوار الهادئة ويدخل المجتمع والدولة أحيانا في حالة خوف وقلق وتردد واختناق تقدم إشارات سلبية عن تشوهات وتناقضات وتحديات كامنة قد تعيق البرنامج الكلي للتجربة·
اما الأمر الآخر الذي يراه القوميون ويريدونه إسهاما في نقد قصور دورهم في حماية التجربة و المشروع النهضوي الذي حمله العراق وقاده الشهيد صدام حسين فقد تمثل في عدم خلق أذرع و امتدادات حقيقية لهذه التجربة في أقطار الوطن العربي ورأى البعض ( سهوا أو قصورا ) في بعض الشكليات القومية و التظاهرات و المهرجانات الداعمة للتجربة أو في إنشاء بعض التنظيمات الموالية لها و القائمة على الارتباط بها كسلطة لا كمشروع قومي عربي نهضوي على انها هي الامتدادات الحقيقية ولذلك سرعان ما تراجعت هذه الأشكال و الشكليات و التنظيمات وخفت دورها وصمتت صمت القبور بعد احتلال العراق وانقطع حبل تواصلها مع التجربة الأمر الذي أنشأ سؤالا في الوعي والواقع حول أدوار هذه القوى الشكلية قبل الاحتلال وبعده وعن سبب صمتها وعدم مواكبتها ومناصرتها وحمايتها لمسيرة التجربة وهي تنتقل من السلطة إلى المقاومة ·
وغاب عن وعي  هذه القوى وعن وعي العرب بشكل عام الأهمية الحاسمة لهذا الاستئناف و التواصل بين تجربة البعث النهضوية التحررية وهو في الحكم وتجربته الجديدة في المقاومة الوطنية الشاملة وهو يهزم مشروعا استعماريا كبيرا وعريضا ذلك إن هذا التواصل كان من أبرز معطيات ومفاجآت هذه التجربة إذ انه كشف النقاب عن ماهيتها القومية الحقيقية وبأنها ليست تجربة تقليدية في الحكم بقدر ما هي تجربة في الانبعاث و التغيير و المقاومة وتهيئة الأمة لمواجهة الاستعمار الجديد و الانتصار عليه ·
وكان من شأن مثل هذا الوعي أن يؤسس لمرحلة قومية جديدة يعود فيها العرب مجددا وبشكل أعمق للالتفاف حول التجربة في تجلياتها الجديدة لدعمها في تحقيق أهدافها الكبرى في هزيمة الاحتلال ومن أجل الثورة على حالة التبعية و الاستنقاع و الاحتراب السائدة في أكثر من قطر عربي ·
لم يدرك العرب وهم في غيهم السياسي سادرون إن المقاومة العراقية الباسلة التي نهض بها حزب البعث العربي الاشتراكي وقوى الحرية في العراق وبهدي من ادراكات الشهيد ومثاله  في التضحية و الإيثار قد أحدثت تغييرا في المنطقة و العالم يمكن لهم أن يبنوا عليها مداميك كبيرة نحو المستقبل وبقي بعضهم أسرى التشويه الإعلامي والتلوث الفكري و الالتباسات التي أنشأتها قوى الظلام و الردة ومكبرات صوت الاستعمار في الوطن العربي حول هذه المقاومة ودورها الاستراتيجي في التغيير · ولذا لم يلتقط العرب إلى حد كبير جوهر هذه المقاومة وغابت عنهم قدرتها في رسم الملامح الجديدة للوطن العربي و الأمة العربية وبقيت المقاومة يتيمة بلا سند أو ظهير عربي إلا بما يلوح هنا أو هناك من حالات فهم و التحام بها ولكن في حدود دنيا لا تعبر عن حالة فهم قومية جامعة يريدها القوميون خطوة كبرى نحو الحرية و التغيير ·
إن التوقف أمام مثل هذه الملاحظات  في الذكرى الثالثة لاستشهاد المجيد صدام حسين يراد منها أن تكون وفاءً نضاليا ومعرفيا لمنهجه النقدي ورؤيته الحادة في كشف الحقائق والانطلاق من ذلك في اشتقاق الأجوبة و الحلول حتى تنفع الذكرى المؤمنين وبغير ذلك فاننا نكون ممن يقيمون الموالد للقراءة التكرارية المنوالية الصامتة التي لا تغني ولا تسمن من جوع وتعزز حالة الركود و الخمود السائدة ونحن برؤيتنا القومية لا نريد الاستذكار إلا من أجل جلب المزيد من الأفعال و الادراكات الجديدة و عندها يتولد الشهيد المجيد فينا وفي امتنا مجددا ودائما حتى المجد و الحرية و النصر ·



Copyrights © 2003 - 2010 Almajd Newspaper
Developed by: Enterprise Solutions