8/30/2010 الإثنين
سياسية ، عربية ، دولية
السنة السابعة عشرة، العدد 608
الصفحة الرئيسية
بعد الخصخصة المتسارعة للتعليم العالي .. هل تقتصر الجامعات على ابناء الطبقات الثرية ؟

كتب محرر الشؤون المحلية
يشعر كثير من المسؤولين في الصفوف الاولى من الحكومة والقطاع الخاص من مهندسين واطباء وحقوقيين واكاديميين بمختلف التخصصات، بحنين جارف الى الايام الخوالي الجميلة في السبعينيات والثمانينيات من القرن المنصرم، اثناء الدراسة في مختلف الدول الاشتراكية سابقا كالاتحاد السوفياتي والمانيا الشرقية وبلغاريا ورومانيا وبولندا ويو غسلافيا  وغيرها، اضافة لبعض الدول العربية مثل مصر وسوريا  والعراق والجزائر مجانا ·
ويقلب  بعضهم دفاتر الذكريات ويقولون كنا ندرس في مختلف التخصصات من هندسة وطب وطب اسنان  وحقوق  وغيرها بهذه الجامعات مجانا وفوق ذلك كانت  هذه الجامعات تعطينا مصاريف شهرية وتؤمن لنا المسكن  والملابس والكتب ووجبات الطعام وتذ اكر السفر الى الوطن في العطلة الصيفية ·
ويقول مسؤول حالي "للمجد" كان قد استفاد من احدى البعثات في السبعينيات للدراسة في الاتحاد السو فياتي ان  الدعم الذي تلقاه الآلاف من ابناء القرى والمخيمات والفقراء في المناطق المنسية في الدول الاشتراكية والعراق وسوريا  ومصر  ساهم في ايجاد روافع لهم من اجل تأمين مستقبلهم ، والآن لو اجريت احصائية دقيقة  لوجدت ان شريحة كبرى من القيادات والكوادر الطبية والهندسية والمحامين والاكاديميين  وقادة المجتمع في الوطن هم ممن درسوا بتلك الدول الاشتراكية  وضمن مستويات جيدة وهم مؤهلون بكفاءة ·
ويعلق ساخراً ومع ذلك كان هؤلاء الفقراء المبعوثون يلاحقون امنياً عند عودتهم الى ارض الوطن جراء انتماءاتهم السياسية للاحزاب الشيوعية والبعث والناصرية·
ويتابع قائلاً واليوم بعد انتهاء تلك "الفترة الذهبية " وحين نقارن زمننا بزمن ابنائنا واحفادنا على مقاعد الدراسة في جامعات الوطن  نضحك ساخرين ونضرب كفاً في كف،  فالرسوم  الجامعية  في الوطن "اكلت الاخضر واليابس"، وجعلت الاردنيين يبيعون الاراضي والعقارات والسيارات ويستدينون من البنوك ليدرسوا ابناءهم  في تخصصات اكاديمية  عادية  وضمن مستويات منخفضة ،  بينما  دراسة الطب والهندسة  اصبحت ضرباً من الخيال، وستصبح خلال السنوات القادمة حكرا على الطبقة الثرية جدا ولهذا بدا الجميع يشعر بشح اعداد المهندسين والاطباء والتخصصات المهمة في مختلف مؤسسات الوطن الحكومية والقطاع الخاص·  
الى ذلك تعززت المعلومات  حول الواقع  النخبوي للتعليم   بعد بدء تطبيق توصيات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي نحو خصخصة التعليم بالكامل واعتباره نوعاً من أنواع الخدمات والسلع التجارية التي لا بد من "استرداد الكلفة الحقيقية لها" التي اعتمدت عليها الاستراتيجية "الوطنية" لتطوير الموارد البشرية·
وكشفت دراسة اخرى ان نسبة الإنفاق الحكومي على التعليم العالي في المملكة تعتبر من أقل النسب إذا ما قورنت بمثيلاتها من دول العالم الثالث ، حيث انها لا تتجاوز 1.13% من الدخل القومي، ومصادر الانفاق من خلال ضرائب يدفعها المواطن مباشرة على الفواتير والمعاملات، الا ان كل ذلك وبحسب دراسة لحركة ذبحتونا الطلابية النشيطة لم يسهم بتخفيف الاعباء، فتكلفة دراسة طالب الطب في الجامعة الأردنية  تبلغ (2150) ديناراً سنوياً ، بينما كانت في سنة 2001 (1000) دينار أي زيادة بنسبة 115% ، واظهرت الدراسة تفاوت نسب ارتفاع الرسوم الجامعية في الأعوام الخمس الأخيرة ما بين 39% في تخصص المحاسبة  "اليرموك"  إلى 370% في تخصص الحاسوب "الجامعة الأردنية" وهي نسب تعتبر خيالية إذا ما قيست بقصر الفترة الزمنية· ناهيك عن ارتفاع رسوم التسجيل مثلا التي ارتفعت من (25) دينارا لتصبح (48) دينارا في كل فصل دراسي وبزيادة بنسبة تزيد عن 95% ؟؟، ناهيك عن ارتفاع الرسوم في مختلف التخصصات من 700 الى 1500 دينار سنويا،وتلاقي ذلك  مع تجاوز نسبة الموازي ألـ 60% في الجامعتين، أي أن طلبة الموازي يشكلون أغلبية ، وما هو بحسبها سوى خصخصة تدريجية ممنهجة ومتسارعة ؟!
وهذا يعنى أن أبناء الطبقة الوسطى المتلاشية  من موظفين ومعلمين ومهنيين لن يستطيعوا تأمين هذه التكاليف لأبنائهم ، مستقبلاً في ظل التآكل الشديد في دخولهم والمتزامن مع الفقر والتضخم، الامر الذي يعني اننا سنصل إلى زمن يصبح فيه التعليم العالي والجامعي رفاهية مقصورة على الطبقة الثرية، وتحديا صعبا أمام الطبقة المتوسطة وحلما بعيد المنال أمام الطبقة الفقيرة·  
  وللتأكيد على نخبوية التعليم يقال ان مجموعة من طلبة احدى الجامعات الخاصة الا ثرياء قد رفعوا مذكرة رسمية إلى إدارة جامعتهم قبل مدة يطالبون فيها "برفع الرسوم الجامعية من أجل الحد من قدرة بعض الفقراء على التسلل إليها، أو الاستمرار بالدراسة فيها، والمحافظة على هويتها"·
في ذات السياق تشير الدراسات الى ان اجمالي التكاليف السنوية للطلبة الاردنيين في الخارج يصل حوالي 150 مليون دولار  وهي تتفاوت من دولة الى اخرى، وتصل اعلاها في الولايات المتحدة حيث يصل معدل التكلفة الى حوالي 24 الف دولار سنويا للطالب الواحد ويبلغ عدد الطلبة الاردنيين حوالي 2000 طالب فيما يعني ان دراستهم تستنزف حوالي 48 مليون دولار سنويا·
ويقول نقيب سابق "للمجد" كانت الجامعات في الدول الاشتراكية والعراق وسوريا في السنوات الماضية بسيطة المباني ومتقشفة في الاكسسوارات، ولكنها ذات مستوى اكاديمي ممتاز، والدليل ان خريجيها هم من نهضوا في الاوطان العربية، في حين ان الانفاق في الاردن يتركز على المظهر حيث مكاتب الجامعات الفخمة، اي أن غالبية ميزانيات الجامعات تصرف على مظاهر جمالية مخصصة للادارة أكثر من كونها خصصت لتطوير أساليب التدريس الجامعي والمختبرات والمكتبات وغير ذلك، كالرواتب الخيالية للرؤساء·
جدير بالذكر ان احصاءات التعليم العالي اشارت الى ان حجم الالتحاق السنوي يزيد عن 25 الف طالب في كافة التخصصات داخل المملكة في ظل وجود 22 جامعة رسمية واهلية ، ووسط تصاعد اغلاق المنافذ امام الاغلبية المسحوقة لدخول ابنائها نتيجة الرسوم الباهظة·
خلاصة القول ان التعليم الجامعي بالنسبة للاغلبية الفقيرة سوف يلفظ انفاسه ما لم يتم تدارك الأمور بالسرعة القصوى، الامر الذي يعني اننا سنترحم على صروح علمية بُنيت بعرق أبناء هذا الوطن المخلصين·



Copyrights © 2003 - 2010 Almajd Newspaper
Developed by: Enterprise Solutions