
بقلم: فهد الريماوي
يبدأ الانحطاط حين لا تعود الكلمات تعبر عن معانيها
(لينين)
نعرفها جيداً مقولات "الحق الذي يراد به الباطل"، وادبيات "القدح في معرض المدح"، واساليب دس السم في ثنايا الدسم، او تلفيق العناوين البراقة للمضامين الملغومة، او وضع النقاط الحمراء فوق الحروف السمحاء·
من هنا لم تنطل علينا للحظة واحدة، المرامي الخفية والاهداف الحقيقية لمدونة السلوك التي اصطنعتها الحكومة مؤخراً للتعامل مع الصحافة تحديداً، وباقي وسائل الاعلام على وجه الاجمال·
ورغم ان هذه المدونة العتيدة قد اثقلت ذاتها بالحديث عن ضمان حرية الصحافة، وحقها في العمل بمهنية واستقلالية، وصونها من الارتشاء والارتزاق والممارسات اللا اخلاقية، ومنع منتسبيها من العمل في الدوائر الحكومية والمؤسسات الرسمية·· الا ان كل هذا الكلام المنطقي والاخلاقي والمقبول تماماً، ليس اكثر من ذرٍ للرماد في العيون يراد به التستر على الاهداف المبيتة لهذه المدونة التي تحمل في ظاهرها الرحمة، وفي باطنها العذاب الاليم·
اما العذاب الاليم يا سادة، والذي يستهدف بضع صحف مشاكسة بينها "المجد"، فيتمثل في البند الثالث من هذه المدونة العقابية، والقاضي "بوقف كل الوزارات والدوائر الحكومية والمؤسسات الرسمية والعامة والبلديات عن الاشتراك المباشر في الصحف، على ان تتم تلبية حاجات هذه الوزارات والدوائر والمؤسسات عن طريق الشراء المباشر من السوق، وفق معايير واضحة يقرها مجلس الوزراء··"·
بالضبط، هذا هو القصد الاول والاساس من هذه المدونة العجيبة وغير المسبوقة في تاريخ الصحافة الاردنية وربما العالمية·· اما "بيت القصيد" ذو المغزى المستتر خلف معسول الكلام، فهو حرمان جمع القلة من الصحف المغضوب عليها من الاشتراكات الحكومية والرسمية التي تشكل رافداً مالياً شرعياً وقانونياً من شأنه، مهما كان ضئيلاً، ان يُبقي هذه الصحف المكدودة على قيد الحياة·
لن تتأثر الصحف الكبرى والمرضي عنها بقطع الاشتراكات الحكومية، بافتراض حصول هذا القطع فعلاً، نظراً لأن اقدام الدوائر الحكومية على شرائها من الاسواق امر مفروغ منه، بل لعله بمثابة "فرض عين" على هذه الدوائر، ونظراً ايضاً لان مواردها الضخمة من الحملات الاعلانية، والخدمات الطباعية تكفيها وتغنيها·· في حين يشكل قطع هذه الاشتراكات ضربة موجعة للصحف النخبوية والاسبوعية التي تعاني الامرين في سبيل الحصول على اعلان زهيد، او توزيع شحيح، او اشتراك محدود، حتى اصبحنا في "المجد" ننادي على اصدقائنا بشراء نسختين بدل واحدة من كل اصدار·
نحن في "المجد" ظفرنا منذ انطلاقتنا عام 1994م، ايام كانت الدنيا غير هذه الدنيا، باشتراكات من لدن السلطات الثلاث مجتمعة لا تزيد على المئة نسخة من كل اصدار، وقد حافظنا "بقوة الاستمرار" على نصف هذه الاشتراكات فقط حتى اليوم، ولكن رغم ان قطعها دفعة واحدة، وضمن هذه الظروف المالية والاقتصادية البائسة، سوف يضاعف من تعثرنا وخسائرنا، الا اننا غير آسفين على هذا الاجراء الانتقامي، ولعلنا جاهزون لتقديم هذه الاشتراكات مجاناً، اكراماً لعيون الحكومة، والتزاماً بسد بعض العجز في موازنة الدولة·
نحن لا نحتاج لمن يدلنا على المهنية والموضوعية والاخلاق الحميدة، تحت وطأة المعاقبة بقطع الارزاق، فها هي ستة عشر عاماً تشهد لنا حتى بألسنة خصومنا، باننا من سدنة ارقى الالتزامات المهنية، واعلى درجات المصداقية، وافضل مستويات النشر والتعبير والجملة الصحفية النظيفة·· وقد سبق لاحدى الحكومات ان راودتنا عن بعض مواقفنا قبل بضع سنوات، لقاء اشتراك سنوي كامل الدسم، ولكننا كنا من الرافضين، وارجعوا الى سجلات رئاسة الوزراء لكي تتثبتوا من صدق ما نقول·
كنا نأمل من اصحاب هذه المدونة الفوقية والاستعلائية والمتخمة بالعقوبات الجماعية، ان يقدروا ظروف الصحافة الورقية التي تعاني عالمياً جملة مشاكل وازمات، وان يبادروا الى نجدتها من خلال سن تشريع ادبي وقانوني يساويها بالاحزاب السياسية، ويوفر لها بالتالي ما تيسر من العون اللائق بصحافة الوطن·· كنا نأمل ان يتصدى هؤلاء "المدونون" بحزم في مدونتهم لجريمة الرقابة المسبقة على الصحف التي تقترفها خفافيش المطابع من خارج القانون، وبغير وجه حق، وتحت جنح الظلام·· ولكن خاب الظن وغاب الامل·
اما القضاء على آفة الارتشاء والارتزاق والابتزاز التي تقول المدونة انها تتوخاه وتستهدفه، فامره سهل، ودربه معروف، وشرطه يتلخص في تحلي رجال الدولة وكبار المسؤولين بقسط وافر من الشجاعة الادبية والمناعة الاخلاقية، والتعالي على ثقافة الاعطيات والاكراميات، والصمود في وجه جرذان الابتزازات·· ذلك لأن المسؤول الذي يخضع للابتزاز، او الذي يطرب لمقولة "اليد العليا"، غير جدير بامانة المسؤولية، او شرف الوظيفة العامة·
حين سمعنا بامر مدونة السلوك التي "ستنظم" العلاقة بين الحكومة والمنابر الاعلامية، توهمنا اننا بصدد اطروحة فكرية جامعة مانعة تستحق اسمها، وتعكس مقام مطلقيها، وتليق بمستوى متلقيها، وتنطوي على رؤية شاملة، ومنظومة متكاملة لترتيب وتهذيب وتصويب العلاقة القائمة بين صنّاع القرار واصحاب الاقلام والافكار، في هذه المرحلة التي تشهد تداخلاً عجيباً بين "الصناعات الابداعية" السياسية منها والثقافية والاعلامية·· غير اننا فوجئنا، وربما فجعنا، بصدور وريقة فجة ومسلوقة على عجل، وقريبة الشبه بتعليمات دائرة السير للسواقين، وخالية تماماً من اية مضامين او ابعاد او تصورات جادة ومعمقة تحدد فلسفة العلاقة، وجدلية التعامل بين السلطة التنفيذية والسلطة الرابعة، كما يقال عن الصحافة·
غير ان ما يبعث على الدهشة، هو حديث هذه المدونة من موقع الاحتقار والاستنكار عن "الشعبية الآنية"، تماماً كما لو انها رجس من عمل الشيطان، مع ان الشعبية هدف مركزي بالغ الاهمية يسعى اليه كل القادة والنجوم والحكام والحكومات وحتى فرق كرة القدم، ناهيك عن انها السبب والمبرر لكل استطلاعات الرأي العام التي تجري في سائر دول العالم·· كنا نود لو ان المدونة تحدثت بلغة الرفض والاستنكار عن "شراء الشعبية" او التماس الشعبية باي ثمن، ولكن ان يجري الحديث عن الشعبية بشكل مطلق، سواء كانت آنية او ابدية، فذلك من غرائب الامور وعجائب الدهور التي لا تدركها وتتمسك بها الا الحكومات الاستعلائية الهابطة على الناس بالمظلة، وليست النابعة من قلب الشعب وضميره ووجدانه!!
لقد سبق لحكومة معروف البخيت ان غضبت على الصحافة الاسبوعية غضبة مضرية، وارادت قصم ظهرها عن طريق فرض مبالغ طائلة عليها بدعوى التهرب من ضريبة المبيعات، وقد حمانا القضاء الشجاع من مغبة تنفيذ هذا القرار التعسفي الى حين تشكيل حكومة نادر الذهبي التي لم تتردد، حين فهمت الملابسات، عن اعدام هذا القرار الذي كان مرشحاً لابادة الصحافة الاسبوعية، و"المجد" بالطبع في طليعة الضحايا·
وعليه·· مؤسف اشد الاسف ان تبدأ الحكومة الجديدة عهدها الواعد بهذه المدونة التأديبية التي من شأنها تعكير صفو العلاقة مع الصحافة العفيفة والشريفة، ولعله لا يسعد هذه الحكومة او غيرها ان يسجل التاريخ عليها انها قد تسببت، بقصد او بغير قصد، في اخذ الصالح بجريرة الطالح، واستعجال التخاصم وليس التفاهم، وضرب اصوات ومنابر وطنية وقومية محترمة·· والتاريخ - يا سادة - لا يرحم !!!
سرعة البديهة·· الفعل ورد الفعل
سئلت الكاتبة الانجليزية اغاثا كريستي:
لماذا تزوجت احد علماء الآثار ؟
فردت بسرعة : لأنني كلما كبرت ازدادت قيمتي عنده·
في المجالس الخاصة، كما في المحافل والمنتديات العامة، تتجه الانظار، وتشرئب الاعناق، وتنصرف الاسماع نحو قلة من المتحدثين او المتحاورين الذين يبرزون بشكل لافت، ويتميزون عن الآخرين بسرعة البديهة، وحضور الذهن، وشدة الفطنة، وقوة الملاحظة، وروح المناظرة، وتلقائية الاخذ والرد او الارسال والاستقبال·
وبقدر ما يثير هؤلاء النجباء المتميزون من معاني الاعجاب، وآيات الانبهار لدى جمهور الحضور، بقدر ما يبعثون الغيرة والحسد في قلوب المحرومين من الالمعية والعفوية والحافزية الفورية والجاهزية الذهنية، الذين يحتاجون الى امعان الفكر، وتقليب وجهات النظر، واستهلاك الوقت والجهد، قبل الاهتداء الى الرأي الصائب او القول المناسب·
الكثير من الناس لا يمتلكون سرعة البديهة، او بلغة السواقين "الدعسة الفجائية"·· فما ان يتفاجأ الواحد منهم بتسجيل هدف في مرماه من خلال موقف غريب او سؤال مُحرج او قول جارح، حتى يرتبك على الفور، ويؤخذ من وقع الصدمة، ويشعر بحيرةٍ من امره، وشلل في تفكيره، وغصة في حلقه، وعجز عن الرد المفحم او التصرف الحاسم·· ولكن ما ان تزول الرهبة، وتذهب اللحظة الحرجة، وتتلاشى صدمة المباغتة، حتى يستعيد لياقته الذهنية، ويستجمع طاقاته العقلية، ويسترجع هدوء اعصابه، ويجود بافضل الاجابات والتصرفات، ولكن بعد فوات الأوان·
من هنا يتضح ان سرعة البديهة تعني فورية الرد عند المفاجأة، وطلاقة اللسان في التو واللحظة، وحضور الاجابة والاستجابة بكل عفوية وتلقائية، وافحام الخصم دون تحقير او تجريح، وحسم المواجهة او المجادلة بسرعة وبغير حاجة للتمهل والتفكر والتردد·· مصداقاً لقول يونغ : "التردد واطالة التفكير في القيام بعمل ما، غالباً ما يصبح سبباً لابطاله"·
وليس من شك ان سرعة البديهة وخصوبة الخاطر وسعة الافق وذربة اللسان لا تأتي من فراغ، بل تقف خلفها قوة في التفكير، ومهارة في التقدير، وكفاءة في التعبير، وقدرة على احتواء المفاجأة ببراعة، واستيعاب المباغتة على الطاير، وارتجال الجواب في الحال، متضمناً الكثير من فنون البلاغة والمبالغة والطرافة والتلاعب بالالفاظ·
ورغم ان قوة البديهة نعمة الهية وموهبة فطرية تقترن بصاحبها منذ ولادته، وتميزه كثيراً عن غيره، وتظهر ارهاصاتها منذ مراحل طفولته، الا انها، شأن كل المواهب والقرائح الفطرية، تحتاج الى الكثير من الدربة والمران والصقل والاثراء، عبر مضاعفة الاستعداد الذهني والنفسي واللفظي الكفيل بوضعها في ارقى درجاتها، وافضل مستوياتها، مخافة ان تزيد عن حدها فتنقلب الى ضدها، وتغدو تسرعاً سمجاً او تعجلاً سخيفاً ومذموماً·· وقديماً قيل : "اياك والعجلة، فقد كانت العرب تسميها ام الندامة، لان صاحبها يقول قبل ان يعلم، ويجيب قبل ان يفهم"·
هذا ويحفل التراث العربي بالكثير من القصص والوقائع والنوادر والاقوال والاشعار الطالعة من عباءة البديهة، ومعطف الفطرة والفطنة، حيث تتعدد اسماء الظرفاء والندمان والصعاليك والحكّائين الذين اشتهروا بالعفوية والالمعية وفيض الخاطر، وسرعة التراشق بمشتقات التورية والطباق والجناس والاقتباس·· ومن امثلة ذلك اقتباس احد العطارين لاحدى الآيات الكريمة، حيث قال فور وقوف امرأة قبيحة على باب دكانه : "واذا الوحوش حُشرت"، فما كان منها الا ان ردت عليه فوراً بالآية الكريمة : "وضرب لنا مثلاً ونسي خَلقه"·· اما الحجاج الذي حكم العراق يوماً بالحديد والنار، فقد وجد الآية التالية مكتوبة على منبره "قل تمتع بكفرك قليلاً، انك من اصحاب النار"، فكتب تحتها مباشرة الآية التالية "قل موتوا بغيظكم، ان الله عليم بذات الصدور"·
اغلب الظن ان سرعة البديهة تقع في نطاق التفكير الافقي الذي يتسم في العادة بالبساطة والمِباشَرة والمشافهة، ويتحلى بحس الفكاهة والسخرية والنكتة، ويكثر في المجتمعات والثقافات الريفية والصحراوية التي تحفظ لها رومانسية القرية والبادية قدراً كبيراً من سلامة الفطرة، وصفاء الفطنة والسجية، ولعلي مازلت الى اليوم اذكر قول اهلي الفلاحين منذ نصف قرن، ان "فلان مسحوب من لسانه" او "فلان عفريت، جوابه على راس لسانه"، في حين مازال الكثير من الشعراء الشعبيين في الريف والبادية يتناظرون بالقوافي والاهازيج المرتجلة حتى الآن·
اما اصحاب التفكير العمودي والذهنية المتحفظة الذين ينتمون في الغالب الى المجتمعات المدنية، والحضارات الصناعية، والمحافل العلمية والاكاديمية، فهم ميالون للجدية والتأمل والتمهل والتعمق قبل الادلاء بأي رأي، او الاقدام على اي مسلك او موقف، نظراً لأن غايتهم هي التماس الدقة والحقيقة والمعرفة الصادقة، وليس تسجيل المواقف، وحصد الاعجاب، وافحام الآخرين، والقاء الكلام على عواهنه، رغم ان البعض منهم يتمتع بسرعة البديهة، وروح المجادلة والمنازلة والمساجلة·· وقديماً قال عمرو بن العاص : "الكلام كالدواء، ان اقللت منه نفع، وان اكثرت منه صدع"·
وعليه، ورغم التشابه في المظهر الخارجي بين الطرفين، الا ان الفارق كبير بين المحرومين من قوة الشخصية، وميكانزم الاستجابة الفورية والبديهية الذين يؤخذون ويتلعثمون عند المفاجأة، وبين ذوي التفكير العمودي المتمكنين من انفسهم، والمعنيين بانضاج افكارهم على مهل، والمهتمين بالبحث والتقصي والتدقيق، مهما طال الوقت وامتد الصمت·
وفي الختام، يحسن ان نأتي ببعض الوقائع والقفشات التي تصوّر سرعة البديهة لدى عدد من المشاهير الذين مازالت اقوالهم الذكية والفورية حاضرة الى يومنا هذا··
- احد الثقلاء سأل الشاعر الضرير بشار بن برد قائلاً : ما اعمى الله رجلاً الا عوضه، فبماذا عوضك ؟؟
فرد ابن برد فوراً : بأن لا ارى امثالك·
- احد الاغبياء قال للاديب الانجليزي برنارد شو : انا افضل منك، لانك تكتب بحثاً عن المال، وانا اكتب بحثاً عن الشرف·
فرد شو على الفور : صدقت·· فكل منا يبحث عما ينقصه·
- ممثلة انجليزية قالت للاديب الفرنسي هنري جانسون: انه لامر مزعج الا تبقى اظافري نظيفة في باريس·
فقال جانسون في الحال : لانك تحكّين نفسك كثيراً·
- ذهب شاعر النيل حافظ ابراهيم للقاء امير الشعراء احمد شوقي في حديقة منزله، ولما اقترب منه قال بالعامية المصرية : يظهر يا شوقي انني عجّزت، لانني من بعيد افتكرتك واحدة ست·
فاجاب شوقي بلا تردد : الحال من بعضه يا حافظ، فانا كمان افتكرتك من بعيد راجل !!