7/19/2010 الإثنين
سياسية ، عربية ، دولية
السنة السابعة عشرة، العدد 605
الصفحة الرئيسية
التوطين مسبقاً والتطبيع مجاناً !!

بقلم: فهد الريماوي
 
اياً ما كانت الاسباب التي انتدبت نفسها لتسويغ حل المجلس النيابي الخامس عشر، فالثابت بشهادة عامين من عمر هذا المجلس، انه لم يكن جديراً بالثناء او البقاء، لا لأن اداءه التشريعي والرقابي كان متدنياً فحسب، بل لان عمره الافتراضي كان قد انتهى بمجرد انتهاء المهمة الموكولة اليه، والحقبة التي شهدت ولادته·
كل الدلائل والقرائن كانت تشير الى ان هذا المجلس الذي ولد في ظروف معروفة للكافة، ووفق مقاسات مرسومة سلفاً، انما هو "مجلس استهلاكي" مؤقت ومفبرك لا يمتلك شروط الديمومة والاستمرار والتمثيل الحقيقي للقاعدة الشعبية، وانما جيء به لاسباب واهداف عابرة اهمها اللعب في الوقت الضائع والممتد ما بين نهاية عهد الادارة الجمهورية، وبداية عهد الادارة الديموقراطية في واشنطن، ناهيك عن تبدل العهود ما بين حزب كاديما برئاسة اولمرت، وتجمع الليكود بزعامة نتنياهو في تل ابيب·
هذا الاوان، وبعد انقضاء مدة كافية من عهد اوباما ورئاسة نتنياهو، يبدو ان بعضاً من سيناريوهات الحل النهائي - او التصفوي - للقضية الفلسطينية قد وجد طريقه نحو التطبيق التدريجي، والتنفيذ العملي، تحت وابل من القصف الاعلامي التضليلي الذي يضع السم في الدسم، ويقدم الاحداث والاجراءات على غير حقيقتها، ويصور حل مجلس النواب الخامس عشر كما لو انه انجاز اصلاحي تم لاعتبارات داخلية، وبناء على رغبات وتطلعات شعبية بعيدة كل البعد عن الخفايا والحسابات والمخططات الخارجية·
مثل هذه الحملة الاعلامية التضليلية سبق شنها بضراوة عام 1993، ولغايات تسويق قانون الصوت الواحد الذي تم صكه انذاك لغرض انتاج مجلس نيابي مؤهل للبصم على معاهدة وادي عربة التي كانت مقدماتها تلوح في الافاق السياسية الاردنية·· يومذاك تجندت الصحف والاقلام وباقي وسائل الاعلام لتسويغ وتجميل قانون الصوت الواحد، واعتباره ضرورة وطنية عاجلة وعادلة وديموقراطية لان من شأنها الغاء الفوارق بين الاصوات الانتخابية، ومنحها ثقلاً انتخابياً واحداً لدى جميع الدوائر وسائر المقترعين·
فيما بعد ثبت للقاصي قبل الداني، ان قانون الصوت الواحد قد جاء بناء لاعتبارات واستحقاقات اقليمية اساسها ابرام معاهدة وادي عربة المشؤومة التي فازت بتأييد المجلس النيابي الثاني عشر المنبثق من رحم ذلك القانون التعسفي، ولم يأت تلبية للمطالب الشعبية، او تصويباً لاوضاع انتخابية معوجة، او امتثالاً لنداء العدل والمساواة بين عموم الناخبين، وفق ما زعمت وسائل التضليل الاعلامي التي سوقته وزوقته، رغم علمها بالعديد من الثغرات والسيئات الكامنة في سائر مواده وبنوده، والتي تسببت لاحقاً في تخريب الحياة السياسية والبرلمانية، من خلال انتاج مجالس نيابية هزيلة استبدلت السفاسف المطلبية بالقضايا السياسية، والروح الجهوية والعشائرية بالهوية الوطنية والقومية·
وهكذا فقد انطفأ مشعل التجربة الديموقراطية الغضة الذي اضاءته انتفاضة نيسان المجيدة، وجرى دفنه تحت وثائق المعاهدة المشؤومة، وما تبعها من قوانين عرفية واجراءات قمعية وقهرية على ايدي حكومات المجالي والطراونة وابو الراغب والفايز والبخيت والذهبي التي تسابقت جميعها في تضييق هامش العمل الوطني والديموقراطي، لحساب التوسيع في مجالات التطبيع والاذعان والانفتاح على العدو الصهيوني، دون ادنى اكتراث بالاصوات الشعبية والنخبوية المعارضة والرافضة للصلح والتطبيع من جهة، والداعية للاصلاح السياسي وتغيير قانون الصوت الواحد، من جهة اخرى·
فجأة، وبعد ان اصم قادتنا وسادتنا آذانهم لاكثر من خمسة عشر عاماً، فطنوا الى حكاية الاصلاح السياسي، وتذكروا ان قانون الصوت الواحد قد شكل سُبة في جبين العملية الانتخابية النيابية، وتعهدوا بسن قانون انتخابي مؤقت يضمن تحقيق القسط الاوفر من العدالة والنزاهة والشفافية، ويؤدي بالضرورة الى توسيع قاعدة التمثيل النسبي لمختلف القطاعات الشعبية، ومن مختلف المنابت والاصول·
وعليه·· فها هو التاريخ الانتخابي يعيد نفسه ولكن في الاتجاه المعاكس، فاذا كان عام 1993 قد شهد اوسع حملة تكاذب اعلامي لتسويق قانون الصوت الواحد، واعتباره حجر الزاوية في همروجة العدالة الانتخابية، فها هو العام الحالي يشهد انطلاق نفس الحملة، وربما بنفس الاصوات والاقلام، ولكن لغرض مختلف تماماً يتمثل في تبخيس قانون الصوت الواحد، والمطالبة بسرعة تغييره او تطويره، توخياً للحق والعدل والمساواة، ولا شيء آخر·
هذا هو الحق الذي يُراد به الباطل، والرقص المحلي على انغام دولية، والزفة الاعلامية التي تستهدف التزوير وليس التنوير·· التعمية والتشويش وليس الشرح والتوضيح، ففي عصر الميديا والبروبوغندا لم تعد الحقيقة هي المهمة بل صورتها في اذهان الناس، ولم تعد الفكرة هي الاساس بل طريقة اخراجها وانتاجها وترويجها في اسواق التداول العمومي، ولم تعد قوة المصداقية هي الشرط الضروري للخطاب الاعلامي، بل قوة الجذب والاقناع ولو بشروط زائفة وادوات تضليلية·
اما حقيقة الحكاية - يا سادة يا كرام - وبعيداً عن التهويش الكلامي والاعلامي، فليس لها كثير صلة او علاقة بالاصلاح السياسي، او حتى المعادلة الداخلية، وانما هي مرتبطة اشد الارتباط بالاستحقاقات الاقليمية (الشرق اوسطية) والترتيبات السلمية الامريكية في عهد الاخ اوباما الذي بات من الواضح تماماً انه قد اشترط على العرب تقديم تنازلين هامين ومسبقين لحساب نتنياهو وليبرمان، قبل اي تحرك جدي نحو التسوية الاوبامية التي لن تؤدي في حال نجاحها - لا سمح الله - الا الى تصفية القضية الفلسطينية، ورميها وراء ظهر التاريخ·
ولن نكشف سراً، او نضيف جديداً، حين نقول ان مسيلمة الامريكي قد طلب من بني يعرب الكرام التبرع بالتوطين والتطوع للتطبيع سلفاً ومجاناً وقبل صياح الديك، وعلى سبيل "العربون" الذي قد يقوي مركز نتنياهو امام خصومه في الاحزاب الاخرى، ويشجعه بالتالي على تقديم تنازلات حاتمية للسلطة الفلسطينية، ما دام حق العودة قد اصبح في خبر كان، وشرط التطبيع قد سبق شرط السلام العادل والشامل الذي طالما تغنى به قادة العرب، واعتبروه شرطاً مفتاحياً يتعين ان يسبق كل ما عداه من آليات عملية التسوية ومفرداتها·
وباستثناء السعودية، فقد اذعنت سائر دول الاعتدال العربي لاملاءات اوباما وتخريجات الست هيلاري التي ايدت بوقاحة بالغة حق اسرائيل في التوسع الاستيطاني، ولكنها انكرت الحق العربي في تأجيل التوطين والتطبيع لما بعد انجاز هدف السلام، كما انهمكت في حمل مصر والمغرب وتونس والاردن ودول الخليج العربية على مباشرة التوطين والتطبيع فوراً ودون انتظار "جودو"·· بطل مسرحية صموئيل بيكيت المعروفة الذي لا يأتي ابداً، رغم طول انتظاره·

لغة الجسد·· بلاغة الايحاء والايماء

الصراع بين الشعر والجسد تراجيديا، وبين الشعر والعقل ملهاة
                                                                         (ادونيس)

خدعوك فقالوا ان الجسد وطن اللعنة، وبيت الخطيئة، ومأوى الشهوة، ومصدر الغواية، ومنبع الدنس، ومبعث الشرور والآثام·
خدعوك حين طالبوك باحتقار جسدك، وكبح متطلباته، واهانة احتياجاته، ومداومة الخوف منه والخوف عليه، ومحاصرته بين جدران "لا" النافية، "وما" الكافة، و"لام" الامر·
خدعوك حين زعموا ان الروح طاهرة بينما الجسد موبوء بالنجاسة، وان الروح خالدة بينما الجسد محكوم بالفناء، وان الروح تقطن الأنا العليا بينما الجسد يرسف في وحول الانا السفلى·· ولكن فقه الحياة يشير على عكس ذلك، فلولا الجسد لما وجدت الروح منزلاً فسيحاً تسكنه، او شكلاً جميلاً تتقمصه، او قواماً وجودياً تتلبسه·· وصدق الشاعر نوفاليس اذ قال : "هناك معبد حقيقي وحيد على هذه الارض، هو جسد الانسان"·
في ميزان العلم كما في وجدان الادب، ثبت ان للجسد لغته وابجديته وعبقريته·· فهو ناطق فصيح بلغة الايحاء والايماء، وهو متحدث لبق بلسان الرموز والاشارات والحركات واللفتات والسكنات، وهو كائن عبقري في ادارة ذاته، واداء وظائفه ومهماته، وتجديد قواه وطاقاته·· خصوصاً بعدما تبين طبياً وعلمياً انه لا يسترشد في عمله ببوصلة العقل فقط، بل ثبت ان كل خلية في جسد الانسان مزودة بمسحة عقلية وعصبية خاصة تعينها على الاداء الافضل والاصوب·· وقد لاحظت كورين توسيلو، احدى خريجات مدرسة العطور الفرنسية، ان بشرة الجسد تتفاعل بشدة مع رائحة العطر، حتى انها كثيراً ما تختلف باختلاف البشرة·
نعم·· للجسد لغته البليغة، وابجديته الفصيحة، ومفرداته المعروفة، ونبرته الصريحة، وتعبيراته المفهومة جيداً لكل من يمتلك احاسيس مرهفة، ورادارات متيقظة، واجهزة استقبال والتقاط مؤهلة لالتقاط ادق الايماءات والاشارات والرسائل الجسدية، وتفهمها سريعاً وعلى الطاير، قبل ان تترجمها الى مواقف ومسالك وتصرفات·
هل هناك ابلغ من لغة العيون، او افصح من همس الجفون، او اوقع من لهجة الدموع، او ارق من لحن الابتسام، او اوضح من معنى العبوس، ودلالات تقطيبة الوجه، وادارة الظهر، وهز الرأس، وغض الطرف، ورفع الحواجب، وفرك الايادي، ورجفة الشفاه، واستناد الخد على راحة اليد ؟؟
لقد ثبت نفسياً وانسانياً، ان العين اصرح من اللسان، وان النظرة اصدق من الكلمة، وان الغمزة اعذب من الجملة، وان الايحاء افعل من الافضاء، وان الاشارة ارحب من العبارة، وان التحاور بلفتات العيون ولواحظها اروع وامتع من كل المحاورات والمخاطبات والمحادثات·· بشهادة احمد شوقي، امير الشعراء الذي قال··
وتعطلت لغةُ الكلام وخاطبت       
                                             عيني في لغة الهوى عيناكِ

فيما قال شاعر عربي قديم··
العين تبدي الذي في قلب صاحبها    
                                                  من العداوة او حبٍ اذا كانا
فالعين تنطقُ والافواه صامتةٌ    
                                        حتى ترى من صميم القلب تبيانا
اغلب الظن ان الجسد استاذ في فن اللغة العاطفية·· لغة المشاعر والاحاسيس والانفعالات، فيما يختص اللسان بوظيفة الناطق الرسمي باللغة العقلية·· لغة الحقائق والافكار والارقام، في حين تقف الشفتان في منتصف المسافة بين لغة اللسان الناطقة، ولغة الجسد الصامتة، نظراً لان للشفتين لغة مزدوجة قوامها النطق والتقبيل، وما القبلة الا حوار "ديالوج" عاطفي ملتهب، او ترجمة فورية لمفردات الشوق واللهفة والشغف·· وفي هذا المعنى يقول هولمز : "صوت القبلة ادنى من صوت المدفع، ولكن صداها اكثر دواماً"·
على فكرة·· لولا لغة الجسد لما لمعت اسماء معظم مطربات هذا الزمان، فمع غياب الاصوات الشجية، والالحان العذبة، والكلمات الرشيقة، عمدت غالبية مغنيات العرب راهناً الى العزف على اوتار الجسد وليس الحنجرة، والاعتماد بالتالي على ارتجاف الصدور العامرة والخصور الضامرة والارداف المكتنزة، الى حد اعتبار الغناء رقصاً، والرقص غناءً، والجسد سيد الموقف·· ورحم الله الشاعر والاديب بول فاليري الذي قال : "الفرق بين النثر والشعر، كالفرق بين المشي والرقص"·
علماء النفس يعتقدون ان نسبة 60% من حالات التخاطب والتواصل والتراسل بين الناس، تتم عبر الايماءات والاشارات والرموز الجسدية، لا عن طريق اللسان والكلام، ويقولون ان لغة الجسد او البدن اقوى بخمسة اضعاف من اللغة الشفوية او اللسانية، ويؤكدون ان الانسان يولد ولديه مقدرة فطرية كبيرة على قراءة وفهم لغة الجسد، الا ان اعتمادنا الكلي على لغة الكلام يضعف تلك الفطرة ويحول دون تنميتها وتفعيلها بالقدر المطلوب، ويحرمنا بالتالي من الاستفادة الكاملة منها، في حين تبقى تلك الفطرة عاملة ومعتمدة لدى الصم والبكم المحرومين من الكلمة·
اكثر من هذا، فقد اثبت فريق من علماء النفس في جامعة بروك الكندية، ان قسمات وملامح وجه الانسان قد تدلل على ميله للسلوك الاجرامي، وان الرجال الذين ترتفع في وجوههم نسبة العرض الى الطول، التي تعني نسبة المسافة بين الخدين الى المسافة بين الشفة العليا والحاجبين، يتصرفون بعدوانية وخشونة اكبر من الآخرين الذين تنخفض لديهم تلك النسبة·
الكثيرون يفتئتون على ابدانهم، ويعيثون فساداً في تناسقها، ويحاولون تضليل لغتها وقواميسها، فما السمنة المتخمة، والبدانة المفرطة سوى اضطهاد تعسفي للجسد، واستبداد جائر بهندسته الجميلة، وتجاهل كامل لشكواه الدائمة وأنينه المتواصل من فرط الاحمال الزائدة، وبلاهة الشحوم واللحوم المترهلة والمتراكمة التي من شأنها ان تثقل حركته، وتشوه رشاقته، وتخرس ناطقته وشاعريته على مذبح النهم والشره·
البدانة بلادة، واعتداء صارخ على فلسفة الجسد، وحقه في الحركة واللياقة، ورغبته في التعبير عن ذاته بدقة وسهولة، عبر ملامح واضحة واعضاء متناسقة لا تشوبها لعنات الدهون والشحوم المكدسة بشكل اعتباطي يعيق حركة الجسد في الارسال والاستقبال على حد سواء، كما يحرمه من التجلي في قوام رشيق وملابس انيقة تكمل لغة الجسد وترونقها وتضيف اليها·
وعليه·· فالملابس والثياب عنوان كبير في ادبيات الجسد، بل فصل ملون وجميل في كتابه وخطابه، وما الاناقة في الملبس الا انعكاس للرهافة في لغة الجسد، والرفعة في ذوق صاحبه، ناهيك عن ان صرعات الموضة المتكررة ليست سوى طبعات جديدة، منقحة ومزيدة من كتاب الجسد·· وقد ابدع عباس العقاد واجاد حين اطلق مقولته الشهيرة : "الانسان، حيوان لابس"، متنبهاً في ذلك الى ان الانسان هو المخلوق الوحيد الذي يتعاطى الملابس ويحتاجها ويتفنن في استخدامها !!



Copyrights © 2003 - 2010 Almajd Newspaper
Developed by: Enterprise Solutions