آفة الاقتصاد العربي ثلاث.. سوء الادارة وتفشي الفساد وتسلط الحكام

كشف التقرير الاقتصادي العربي الموحد لسنة 2016، الصادر عن صندوق النقد العربي، عن تراجع الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 10.9% بالأسعار الجارية للدول العربية ككل، وذلك من حوالي 2727 مليار دولار عام 2014 إلى حوالي 2429 مليار دولار عام 2015، فيما انخفض متوسط نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الجارية من حوالي 7888 دولار عام 2014 إلى حوالي 6872 دولار عام 2015، بتراجع بلغ نحو 12.9%، مقارنة بنحو 2.2 في المائة لمعدل التراجع المسجل عام 2014.

التقرير ذكر أن معدلات الفقر في المنطقة قد زادت خلال عام 2015، نتيجة لتراجع أداء النمو الاقتصادي وانخفاض قيمة تحويلات العاملين بالدول العربية المصدرة للنفط، وتأخر انتعاش الاقتصاد العالمي وزيادة عدد اللاجئين نتيجة الأوضاع الداخلية التي تمر بها بعض البلدان العربية.

وقال إن غالبية الدول العربية تواجه تحديات مصيرية في المجالات المختلفة للتنمية الاجتماعية، تتمثل في ارتفاع معدلات البطالة، خاصة بين الشباب، وتدني مستويات التحصيل العلمي للطلاب وما يترتب على ذلك من ضعف القدرة التنافسية للقوى العاملة، فيما بلغ إجمالي عدد السكان في الدول العربية نحو 387 مليون نسمة في عام 2015، وبمتوسط معدل نمو 2.3% وهو معدل مرتفعاً نسبياً، إذ يفوق مثيله في جميع أقاليم العالم الأخرى.

وبحسب التقرير فإن الاقتصاد العربي مستمر في التدهور والانكماش، وذلك في وقت يدفع المواطنين ضريبة هذا التدهور عن طريق السياسات التقشفية التي باتت تنتهجها جميع حكومات الدول العربية تقريبًا، بالإضافة إلى فرض المزيد من الضرائب ما يزيد من أعداد الفقراء بالمنطقة وكذلك معدلات البطالة.

ولتقريب الصورة أكثر سنقوم بتقديم ملامح رئيسة عن الوضع الاقتصادي بالدول العربية:

السعودية

المملكة العربية السعودية صاحبة الاقتصاد الأكبر في المنطقة، تعاني منذ منتصف 2014 تحديدًا أوضاعًا اقتصادية غير مستقرة، وذلك بعد أعوام من الانتعاش الاقتصادي، إذ أعلنت السعودية في كانون أول الماضي، عن موازنة 2017 بإجمالي نفقات تبلغ 890 مليار ريال (237.3 مليار دولار)، مقابل إيرادات قيمتها 692 مليار ريال (184.5 مليار دولار)، بعجز مُقدر قيمته 198 مليار ريال (52.8 مليار دولار).

وارتفع الدين العام للمملكة إلى 316.5 مليار ريال (84.4 مليار دولار) بنهاية 2016، تشكل 12.3% من الناتج المحلي بالأسعار الثابتة، مقارنة بـ 142.2 مليار ريال (قرابة 38 مليار دولار)، العام الماضي، فيما تشير توقعات صندوق النقد الدولي إلى تباطؤ في نمو الاقتصاد السعودي، إذ خفض الصندوق في 16 يناير (كانون الثاني) الماضي، توقعاته لنمو الاقتصاد السعودي في 2017 إلى 0.4% مقارنة بتوقعات سابقة تبلغ 2% كان أعلنها في تشرين أول 2016.

تباطأت وتيرة نمو الاقتصاد السعودي، إلى 1.4% في 2016، مقارنة مع 3.5% في 2015، كما ارتفع معدل البطالة بين السعوديين في الربع الثالث 2016 إلى 12.1% مقارنة بـ11.6% في الربع الثاني، حسب بيانات الهيئة العامة للإحصاء. ويعمل في القطاع الخاص السعودي نحو 10.4 مليون موظف، منهم 1.7 مليون سعودي (16%)، و8.7 مليون أجنبي (84%).

مصر

السعودية هي أحسن حالاً من القاهرة التي تعاني واقعا اقتصاديا متأزما منذ ثورة 25 يناير (كانون الثاني) 2011، فالبلاد سجلت مستويات متدنية في كل القطاعات الاقتصادية، هذا التراجع تفاقم بشكل أوسع خلال العامين الماضيين، فبين زيادة أعداد الفقراء، وارتفاع معدلات البطالة، لجأت مصر إلى الاقتراض بشراهة غير مسبوقة، وذلك تزامنا مع اللجوء إلى صندوق النقد الدولي.

ووصل الدين العام المصري إلى 3.8 تريليونات جنيه؛ وهو ما يعني أنه قد تجاوز الناتج المحلي الذي سجل 3.2 تريليونات جنيه؛ لتكون نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي نحو 118% من الناتج المحلي، وبالرغم من ارتفاع هذه النسبة، إلا أنه من المتوقع أن تسجل قفزة أكبر بنهاية العام المالي الجاري؛ وذلك لأن الحكومة قد توسعت بالاقتراض خلال الفترة الماضية.

رغم نسب صعود ديون مصر تلك إلا أن المخاوف الأكبر تأتي من ناحية الزيادة الكبيرة في خدمة هذه الديون «فوائد وأقساط»، إذ أعلن المركزي عن أن أعباء الدين الخارجي لمصر قفز بنحو 184.8% من تموز إلى أيلول العام الماضي، فيما تتجاوز أعباء الديون من أقساط وفوائد في موازنة 2017/2016، الـ 300 مليار جنيه، بنحو 30% من الإنفاق في الموازنة.

ما يجعل الأوضاع في مصر معقدة بنسبة أكبر من غيرها بالدول العربية، هو أن مصادر البلاد الرئيسة تسجل تراجعا حادًا، بداية من السياحة، التي تعتبر أحد أهم المصادر الأساسية للنقد الأجنبي في مصر، والتي فقدت 56.1% من عائداتها خلال الربع الأول من العام المالي الجاري.

ورغم أن مصر قامت بتعويم عملتها، لأسباب من أبرزها جذب استثمارات أجنبية للبلاد إلا أنها لم تنجح في ذلك حتى الآن، الصادرات التي معيار جوهري لقياس قدرة البلاد على توليد موارد كافية من النقد الأجنبي لسداد تلك الالتزامات المتنامية، تعاني كغيرها من الموارد الأساسية، وهو ما يقوض فرص خفض نسب الديون في المستقبل القريب، قناة السويس كذلك لم تتوقف عن التراجع في خلال الأشهر الماضية وهو الأمر الذي يضيف المزيد من الضغوط على البلاد.

الجزائر

كباقي نظيراتها في أوبك، تضررت الجزائر كثير من تراجع أسعار النفط، إذ فقدت الجزائر 5.6 مليارات دولار من عائداتها النفطية، التي تعد أهم مورد لاقتصاد البلاد، العام الماضي،إذ انخفضت صادرات الجزائر من المحروقات (بترول وغاز) من 32.69 مليار دولار عام 2015، إلى 27.1 مليار دولار العام 2016، أي بنسبة انخفاض بلغت 17.12%.

وتهاوت إيرادات الجزائر من المحروقات، بأكثر من النصف في عامين بسبب الصدمة النفطية، وانتقلت نزولاً من 60 مليار دولار عام 2014، إلى 27.1 مليار دولار نهاية سنة 2016، فيما رافق الأزمة النفطية، هبوطاً حاداً في احتياطات الجزائر من النقد الأجنبي، التي فقدت في 3 أعوام ما يفوق 76 مليار دولار، نزولا من 193 مليار دولار نهاية 2013، إلى 114 مليار دولار نهاية ديسمبر (كانون الأول) 2016.

دفعت المعطيات السابقة السلطات الجزائرية لإجراءات تقشفية واسعة، لمواجهة أزمة هبوط أسعار النفط الخام بخطط لخفض الإنفاق العام، وتجميد مشاريع كبرى للبنية التحتية.

الإمارات

بخلاف دول المنطقة تمكنت الإمارات من تحقيق أرقام اقتصادية جديرة بالاهتمام خلال 2016، إذ ساهم تنوع اقتصادها، والقدرة على التأقلم مع الانخفاض أسعار النفط، في تجنب البلاد الوقوع بدوامة اقتصادية سقطت بها معظم الدول المصدرة للنفط.

الإمارات كالعادة حجزت المقعد الثاني خلف السعودية في تصنيف أكبر اقتصادات العالم العربي خلال 2016، من ناحية الناتج المحلي الإجمالي، إذ قال صندوق النقد الدولي، إن اقتصاد الإمارات جاء بالمرتبة الـ31 عالمياً، مسجلا ناتج محلي إجمالي للدولة بالأسعار الجارية خلال 2016، نحو 375 مليار دولار، (1.37 تريليون درهم)، ليساهم بنسبة 0.499% في الاقتصاد العالمي.

صندوق النقد يتوقع ارتفاع الناتج المحلي الإجمالي الإمارات إلى 407.6 مليار دولار (1.5 تريليون درهم) خلال العام الجاري2017، ثم 434.8 مليار دولار (1.6 تريليون درهم) في 2018، ثم 463.4 مليار دولار (1.7 تريليون درهم) في 2019، ليسجل نحو 500 مليار دولار (1.84 تريليون درهم) في 2020، فيما يتوقع بنك ستاندرد تشارترد نمو الاقتصاد غير النفطي للإمارات بنسبة 4% خلال 2017.

الكويت

تعد الكويت من أكثر الدول الخليجية التي تواجه ظروفاً اقتصادية صعبة، وذلك في ضوء تراجع أسعار، ولكن حكومة البلاد تعتمد في الوقت الحالي على الإصلاح الاقتصادي من خلال سياسات صندوق النقد الدولي، وهو ما يشير إلى أعباء ثقيلة سيتحملها المواطن الكويتي خلال الفترة المقبلة، إذ أن الصندوق يتبنى سياسات تقشفية واسعة دائما ما تضر محدودي الدخل.

الحكومة الكويتية قدرت العجز في موازنة 2017/2016، بنحو 12.2 مليار دينار (40.2 مليار دولار)، وذلك بعد أن أقرت منتصف آذار الماضي، خطة للإصلاح الاقتصادي تفرض فيها ضرائب على العديد من القطاعات، وترشيد النفقات، وتعظيم الإيرادات، وخصخصة مشاريع حكومية، فالدولة لم تعد تتمكن من تقدم كل شيء، لذلك تعمل على تنويع الاقتصاد وخفض الاعتماد على النفط والغاز.

مواطنو الكويت باتوا يشعرون بوقع الأزمة مؤخرا، إذ تعتزم الحكومة اعتماد سلسلة رواتب جديدة لموظفي القطاع العام، وستؤدي هذه الإجراءات إلى خفض رواتب العمال والحوافز الممنوحة لهم، وهذا هو الاتجاه الذي شدد عليه صندوق النقد الدولي في توصياتها الأخيرة للكويت للإصلاح الاقتصادي التي ستلجأ إليه الحكومة.

المغرب

الاقتصاد المغربي هو الأخر يقع في دوامة اقتصادية معقدة، إذ تتضارب نسب نمو الاقتصاد المحلي في البلاد، عقب كشف العديد من المؤسسات المالية المغربية والدولية، عن توقعاتها للنمو في البلاد، وتباين التقديرات بين متفائل ومتشائم.

ونص مشروع قانون الموازنة، على فرضية نسبة نمو الاقتصاد المحلي في حدود 4.5% خلال 2017، إضافة إلى نسبة عجز في الموازنة تبلغ 3% من الناتج الداخلي الخام، في الوقت الذي كشف البنك المركزي المغربي، عن توقعاته للعام الجاري، بنسبة نمو تبلغ 4.2% في 2017، و3.7% في 2018، بفضل تحسن مرتقب في القطاع الزراعي (الفلاحي).

في المقابل، يرى محللو البنك الدولي، في تقرير صدر خلال وقت سابق من الشهر الجاري، إنهم يتوقعون تحسن النمو الاقتصادي في المغرب خلال 2017، بنسبة تصل إلى 4%، وذلك بخلاف توقعاته بشهر يناير (كانون الثاني) 2017، الذي توقع فيها أن يشهد النمو الاقتصادي بالمغرب خلال عامي 2018 و2019 ارتفاعا بنسبة 3.5% و3.6% على التوالي.

إلا بعثة صندوق النقد الدولي، توقعت أن يتسارع نمو الاقتصاد المغربي عام 2017، ليبلغ 4.4%، وهو التقدير الأقرب إلى الحكومة المغربية، الذي لم يتجاوز نسبة 4.5%. ويوضح هذا التضارب مدى ضبابية المشهد الاقتصادي في البلاد.

السودان

بين العقوبات الأمريكية وعدم الاستقرار السياسي، بالإضافة إلى انفصال الجنوب، يتوه الاقتصاد السوداني الذي يفترض ألا يكون أحد المتضررين من الأزمات الاقتصادية بالمنطقة، إذ يمتلك السودان مقومات زراعية، هي الأكبر في المنطقة العربية، بواقع 175 مليون فدان صالحة للزراعة، بجانب مساحة غابية بحوالي 52 مليون فدان، كما تمتلك 102 مليون رأس من الماشية، فضلا عن معدل أمطار سنوي يزيد عن 400 مليار متر مكعب.

وتساهم الزراعة، التي يعمل بها ملايين السودانيين، بـ 48% من الناتج المحلي الإجمالي للسودان التي تمتلك قدرات تؤهلها أن تصبح سلة غذاء للعالم أجمع، إلا أنا المشاكل الذي يعاني منها الاقتصاد السوداني تحول بين الاستفادة من هذه ال من كنوز، فمنذ انفصال الجنوب في 2011، ذهب 75% من إنتاج البلاد من النفط، المصدر الرئيسي للعملة الصعبة والإيرادات الحكومية، لدولة الجنوب.

ولجأت السودان إلى تحرير عملتها مؤخرا، وذلك في ظل أزمة عملة كبيرة وتنامي السوق السوداء في البلاد، ولحق هذه الخطوة مجموعة من الإضرابات العامة اعتراضا على غلاء الأسعار.

العراق

تراجع أسعار النفط، والحرب المستعرة، عاملان قادا العراقيين إلى الفقر والبطالة وغيرها من الأزمات الاقتصادية، إذ قال صادق المحنا، رئيس لجنة العمل والشؤون الاجتماعية في البرلمان العراقي، إن معدل الفقر في العراق سيتجاوز 30% خلال العام الجاري، بسبب سياسة التقشف التي تتبناها الحكومة.

المحنا، أكد أن معدل البطالة سيرتفع أيضا عن العام الماضي، في ظل توقف تنفيذ مئات المشاريع، وذلك مع استمرار ازدياد حالات النزوح بسبب العمليات العسكرية والمعارك، فيما أقر صندوق النقد الدولي برنامجا ائتمانيا للعراق يقضي بمنح بغداد قروضا تصل قيمتها إلى خمسة مليارات و340 مليون دولار على مدى ثلاث سنوات.

ويأتي ذلك بعد أن منح الصندوق بغداد في تموز 2015 قرضا بقيمة 1.2 مليار دولار لمساعدتها على النهوض بماليتها العامة، ولكن يرى المحللون أن هذه الديون لن تقدم جديدا سوى مزيد من المعاناة للشعب العراقي، رغم أن برنامج النقد يلزم بغداد باتخاذ تدابير ترمي إلى تعزيز فاعلية قوانين مكافحة الفساد، ومنع غسل الأموال والتصدي لتمويل ما يسمى «الإرهاب».

سوريا

ربما يكون من غير المنطقي الحديث عن الاقتصاد السوري الآن، إذ يحتاج إلى عقودٌ من أجل التعافي الاقتصادي، وذلك في حال توقف الخراب والدمار اليوم، فوفقًا لصندوق النقد الدولي، احتاجت لبنان إلى 20 عامًا بعد الحرب الأهلية التي استغرقت 15 عامًا حتى تصل إلى مستوى الناتج المحلي الإجمالي قبل الحرب.

واحتاجت الكويت، التي دخلت في صراع مع العراق لمدة عامين فقط؛ سبع سنوات من أجل استعادة مستوياتها من الناتج المحلي الإجمالي قبل الحرب. أما عن سوريا التي تشهد مستوياتٍ غير مسبوقة من الدمار، للدرجة التي وصف بها البعض مدينة حلب بأكثر المدن دمارًا منذ الحرب العالمية الثانية، فالأمر سيستغرق الكثير من السنوات للتعافي من جديد.

في وقت مبكر من عام 2014، قدَّر تقريرٌ صادر عن وكالة الأمم المتحدة للإغاثة والتشغيل أن الأمر سيستغرق 30 عامًا لسوريا للعودة إلى المستويات الاقتصادية التي كانت عليها عام 2010. مع ملاحظة أن التقرير صدر في أوائل عام 2014، والدمار الذي حدث منذ ذلك الوقت إلى الآن ربما بلغ ضعف ما كان قبل ذلك.

ليبيا

لم يكن أحد يتخيل أن يصل الاقتصاد الليبي إلى وضعه الحالي، إذ قادت النزاعات العسكرية والسياسية التي يشهدها هذا البلد منذ سقوط نظام معمر القذافي، والتي تمنعه من استغلال احتياطاته النفطية الهائلة، إلى حافة الانهيار، وذلك بعد أن كان الليبيون يحلمون بمستقبل مزدهر حين أطاحوا بالقذافي في أكتوبر 2011، وهو ما لم يعد ممكن الآن وعلى الأقل في الأجل القريب.

ولم تعد المصارف الليبية قادرة على توفير سيولة لعملائها، وذلك في وقت تسجل الأسعار ارتفاعا غير مسبوق، إذ كشف البنك الدولي عن تراجع هائل في القدرة الشرائية مع ارتفاع أسعار المواد الغذائية بنسبة 31% في النصف الأول من العام الماضي، فيما تشير التوقعات إلى خسائر بقيمة 100 مليار دولار منذ مطلع 2013، بسبب تراجع المبيعات النفطية الليبية.

تونس

تونس هي التجربة الوحيدة بالربيع العربي التي يشار إليها بالبنان، وذلك على المستوى السياسي، لكن لا يكاد يستفيق اقتصاد البلاد منذ اندلاع ثورة الياسمين، إذ تعيش تونس هذه الأيام أزمة اقتصادية عميقة، حيث تعرف خزينة الدولة التونسية عجزًا غير مسبوق، وصل إلى حدود 712 مليون دينار، وكان محافظ البنك المركزي، الشاذلي العياري، قد صرح بأن «تمويل ميزانية 2017 سيكون صعبًا في ظل عدم كفاية الموارد الجبائية، التي لن تكفي لسداد أجور أكثر من 670 ألف موظف، تعادل قيمتها 1 مليار دينار شهريا».

وشهدت البطالة بين الشباب التونسي ارتفاعًا منذ الإطاحة بنظام بن علي، حيث انتقلت من 13% سنة 2011 إلى 15 % سنة 2015، بحسب أرقام المعهد الوطني للإحصاء بتونس، مثلما زادت نسبة الدين العام من %40.5 سنة 2010 إلى 52.7 سنة 2015، وارتفع العجز التجاري بالميزانية التونسية من %7.3 سنة 2011 إلى 7.9 سنة 2015.

وتشير التوقعات إلى أن النمو الاقتصادي في تونس، لن يتجاوز في هذا العام 1.8%، من حيث الناتج الداخلي العام، كما يتوقع المرصد الاقتصادي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا التابع للبنك الدولي. وتشكو تونس من تراجع الاستثمارات، حيث بدأت تبتعد رؤوس الأموال الخارجية عن تونس، بفعل الوضع الأمني والسياسي المضطرب بالبلاد.

ولعل لجوء الحكومة التونسية إلى صندوق النقد الدولي، يضيف ضغوطا أكبر على البلاد، إذ باتت تونس ملزمة بتطبيق الإصلاحات التي تنادي بها تلك المؤسسات، وعادة ما تكون ممثلة في السياسات التقشفية وفتح مجال أكثر أمام القطاع الخاص مقابل تراجع الدعم العمومي للدولة، الأمر الذي سيثير مزيدًا من الغضب والاحتقان بالشارع التونسي، وإن كانت تلك الإصلاحات ضرورية لتحريك عجلة الاقتصاد، بحسب المؤسسات الدولية.

اليمن

قاد الصراع العسكري الذي يدخل عامه الثالث في اليمن، البلاد لمأساة اقتصادية كبيرة، إذ يعاني نحو 14 مليون يمني، أي أكثر من نصف السكان، من انعدام الأمن الغذائي، فيما أدت المواجهات إلى ارتفاع كبير في أسعار السلع الأساسية، حيث ارتفعت أسعار القمح والدقيق -مثلا- بنسب تراوحت بين 90% في بعض المناطق و250% في مناطق أخرى.

كما ارتفعت أسعار المواد الغذائية بنسبة 85%، وارتفع سعر 20 لترا من البنزين من 16 دولارا إلى أكثر من 150 دولارا في مناطق عدن وتعز، وفي صنعاء بلغ 200 دولار.

التدهور أصاب كل شيء في اليمن، فالاقتصاد بات في حاجه إلى إعادة إعمار والعملة الوطنية فقدت قيمتها هذا ما يؤكده اليمنيون، ويرون أن السبب فيما حلّ بهم هو الانقلاب على الشرعية الذي قاده الحوثيون وحليفهم الرئيس المخلوع علي عبد الله صالح، والاستيلاء على السلطة بالقوة، الأمر الذي أدخل البلد في دوامة حرب كارثية.

لبنان

رغم انتخاب ميشال عون رئيساً للدولة بعد شغور المنصب لعامين، إلا أن اقتصاد البلاد يحتاج للكثير كي يتحسن، إذ قالت وكالة «فيتش» للتصنيفات الائتمانية، إن المخاطر مازالت قائمة في لبنان وإن الاقتصاد سيظل تحت ضغط بفعل الحرب في سوريا والضعف البالغ للمالية العامة.

الوكالة أشادت بهذه الخطوة المهمة صوب تحسين الكفاءة السياسية، إلا أنها أشارت إلى أن الوضع الصعب للمالية العامة للبنان، إذ تبلغ نسبة الدين 140% من الناتج المحلي الإجمالي، سيحد على الأرجح من المزايا الاقتصادية للتطورات السياسية.

وكان النمو الاقتصادي في لبنان قد سقط بشكل حاد في السنوات الـ 5 الأخيرة، إذ تراوح النمو الاقتصادي بين 8 و10% بين 2007 و2010، وذلك بفضل قطاعات السياحة والعقار والإنشاءات التي كانت مساهماً رئيسياً بهذا النمو، لكن النمو الآن يدور حول 2% في المتوسط منذ تفجر الحرب في سوريا، في ظل صعوبات تواجهها تلك القطاعات.

وانخفضت تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى 6% من الناتج المحلي الإجمالي بين 2011 و2015، من 12% في المتوسط بين 2004 و2010.

الأردن

لم تكن الأردن في حاجة إلى أزمات اقتصادية إضافية، إلا أن الأحداث الدائرة بالمنطقة دفعتها لتحمل المزيد من الضغوط الاقتصادية الكبيرة، إذ أقرت الحكومة مشروع موازنة 2017 بنفقات تعادل 12.6 مليار دولار، وعجز متوقع يعادل 1.1 مليار دولار، وتزيد نفقات الموازنة الجديدة التي تبلغ 8.9 مليارات دينار (12.6 مليار دولار) بمقدار 621 مليون دينار (874 مليون دولار) عن موازنة عام 2016.

إلا أن هذه العجز قد يسجل مستوى أكبر في ظل تحسن أسعار النفط، إذ أن الأردن استفاد من انخفاض أسعار النفط في السوق العالمية، ما أدى إلى انخفاض في عجز الموازنة الذي تجاوز أربعة مليارات دولار عام 2012، ويستورد الأردن 98% من حاجاته من الطاقة من الخارج، وتعاني البلاد ظروفا اقتصادية صعبة وديونا، وتأثر الاقتصاد الأردني بشدة بالأزمات المستمرة في العراق وسوريا، إذ تأوي المملكة نحو 680 ألف لاجئ سوري فروا من الحرب الدائرة في بلدهم.

مستقبل الاقتصاد العربي

ترى المؤسسة العربية لضمان الاستثمار وائتمان الصادرات، أن الاقتصاد العربي سيشهد تحسناً نسبياً طفيفاً في عام 2017، إذ قال تقرير صادر عنها، أن متوسط معدل النمو سيبلغ نحو 2.9%، ليرتفع معه الناتج العربي إلى 2.7 تريليون دولار، متوقعا أن يرتقي متوسط دخل المواطن العربي إلى 7750 دولاراً سنوياً (7620 في 2015)، مع ارتفاع معدلات التضخم إلى 5.9% واستمرار النمو في عدد سكان المنطقة ليصل إلى 372 مليون نسمة.

«ضمان» المؤسسة العربية الدولية، التي أسست عام 1974 بموجب اتفاقية متعددة الأطراف أبرمت بين الدول العربية، ترى أن المعطيات الحاكمة للوضع الاقتصادي العربي في المستقبل تؤكد أن اقتصاد المنطقة في معظمه، ما زال رهناً بالتطورات في أسـعـار وإنتاج وتصدير النفط الذي ما زال يمثل 85% من صادرات المنطقة وأكثر من 60% من الإيرادات الحكومية وما يزيد عن 35% من الناتج.

وبالنظر إلى المستقبل في أعين المواطنين العرب، نجد أن نتائج المؤشر العربي للعام 2016، كشف عن أن 24% من مواطني المنطقة العربية يرغبون في الهجرة؛ والدافع الأساسي في ذلك هو تحسين الوضع الاقتصادي، وهو الأمر الذي ينم عن فقدان الأمل بالتحسن الاقتصادي بالمنطقة.

نتائج استطلاع المؤشر العربي، كشفت أيضا عن أن 49% من سكان المنطقة مداخيل أسرهم تغطّي نفقات احتياجاتهم الأساسية، ولا يستطيعون أن يدخروا منها، و20% فقط يملكون دخلا يكفي احتياجاتهم الأساسية، ويمكنهم أن يدخروا أيضاً جزءا من الدخل، فيما تلجأ 53% من الأسر المعوزة إلى الاستدانة لكف الحاجة، بينما تعمد 29% منها على معونات من الأصدقاء والأقارب والجمعيات الخيرية ومعونات حكومية.

لماذا يعاني الاقتصاد العربي؟

«لا ينقص المنطقة العربية موارد اقتصادية أو بشرية أو خبرات أو أي شيء لكل تلتحق بركب العالم الذي يمر من جوارها وتكتفي الجماهير العربية بمشاهدته، المشكلة العربية الأساسية هي سوء الإدارة الناتجة عن تفشي الفساد والمرتبطة عضويا بالحكم السلطوي»، هكذا يقول أحمد ذكرالله الأكاديمي المصري والخبير الاقتصادي.

ويتابع ذكرالله خلال حديثه لـ«ساسة بوست» أن «جناحي التنمية وهما الديمقراطية والحرية ويتفرع عنهما الكثير من النقاط التفصيلية، أصلان بدونها ستبقي الأوطان العربية أسيرة للتخلف الراهن، وهما أيضا البداية الحقيقية لخلق هيكل إنتاجي ينطلق من الإمكانات المتاحة لكل دولة ويتكامل مع الهياكل الأخرى في إطار رؤية جامعة تهدف إلي التنمية المستدامة».

ويرى الخبير الاقتصاد إن المنطقة تحتاج للتعرف علي الإمكانات المتاحة وإداراتها بصورة صحيحة، إذ تمثل هذه الخطوة الثانية، بعد الديمقراطية والحرية، والذي يجب أن تصبح السياسة فيها تابعة للمصلحة الاقتصادية وليس العكس كما يحدث الآن، كي يكون دور الدولة (ومؤسساتها) الأقدام علي المشروعات التي يرفضها القطاع الخاص وليس مزاحمته، لتتفرغ الدولة للدور الأساسي وهو كونها حكما نزيها بين كل من في الدولة من مؤسسات وجماعات وأفراد للوصول إلي عقد اجتماعي يؤهل لمراحل التنمية المختلفة خاصة عملية الانطلاق.

الجامعة العربية خارج المعادلة

يوم الاربعاء الماضي، انعقدت الدورة العادية الثامنة والعشرين للقمة العربية في منطقة البحر الميت قرب عمان، وعلى المستوى الاقتصادي كان اسم المكان الذي انعقد به تلك الدورة معبرا عن الوضع الاقتصادي قبل وبعد الاجتماع، فالمشروعات الراكدة على طاولة القادة العرب لم يكتب لها الحياة.

ويقول ذكرالله إن «الجامعة العربية تعكس آراء الدول والتي يعبر عنها جماعات الحكم وليس الشعوب وبالتالي ساهمت في الانقسام العربي وتشتت جهوده ولم تفلح في خلق البيئة التكاملية أو السوق المشتركة أو أي نوع من راب الصدع السياسي أو الاقتصادي بين الدول العربية».

وكانت معظم الملفات المعروضة على القمة مكررة، خلال السنوات الأخيرة، إذ تم رفع عدد من التوصيات ومشاريع القرارات إلى القمة العربية، أبرزها تعزيز التجارة العربية البينية وذلك في إطار التباحث حول منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى وتطورات الاتحاد الجمركي العربي، بالإضافة إلى توصية باستكمال إجراءات إنشاء الاتحاد الجمركي، والاستعجال في البتّ في موضوع اتفاقية التأشيرة العربية الموحدة لأصحاب الأعمال والمستثمرين العرب بين الدول العربية.

ولكن لم تضيف القمة جديدا، حيث انفضّت دون حسم ملف اقتصادي واحد، وعلى الشعوب العربية أن تنتظر الاجتماعات التي ربما لم تغير شيئًا بالواقع الاقتصادي المتردي، ويبقى المواطن في مواجهة شرسة مع أسعار السلع والخدمات ومعدلات التضخم، والديون الخارجية والداخلية، بالإضافة إلى الفقر والبطالة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى